Site Visitors Till Now
477715

النزاع السوري والإرهاب الجوال من الموصل الى عرسال
النزاع السوري والإرهاب الجوال من الموصل الى عرسال 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


النزاع السوري والإرهاب الجوال من الموصل الى عرسال

النائب د.فريد الخازن

3 آب 2017

في عامه السادس، بلغ النزاع السوري سن الرشد ودخل مرحلة ترسيم الحدود: في الداخل ومع الخارج وفي السياسة والميدان، تلالاً ووديان، وفي المسائل الخلافية التي ازدادت تعقيدا مع غياب التسوية وتعدّد مساراتها. عملية تقاسم نفوذ مستمرة لم تبلغ مراميهما، فلكل طرف قياس وخلف القياس متراس. 

استعاد النظام نواته الصلبة وثبّت مواقعه بدعم اقليمي ودولي حاسم. والمعارضة المشتتة أخذت مداها في اتجاهات عكست التوجهات المتباينة لداعميها، وتبدو الآن أكثر واقعية. الدول الكبرى حجزت لها مواقع متقدمة في النزاع بكل ابعاده: روسيا الاكثر نفوذا وتصميماً، وأميركا العائدة، بعد تردّد، على حصان محاربة الارهاب. أما الدول الاقليمية فلم تنتظر أي دعوة، وهي تعتبر نفسها من أهل الدار. مصالح ايران في الميزان وحليفها في سوريا معروف ومعلن، خلافاً لدول الخليج المتنافسة في سوريا لاسباب متنوعة وهي الآن في نزاع حاد في ما بينها. أما تركيا، فبعد الجنوح الاردوغاني والطموحات الكبرى، عادت انقرة الى اجندة واقعية حدودها موازين القوى العسكرية والسياسية، حاصرة اهتمامها بمناطق الاكراد المتاخمة لحدودها. وللارهاب "الفضل" في توحيد الصفوف بعدما اصبحت محاربته قضية جامعة لاطراف النزاع كافة. لم تستطع اسرائيل ان تجمع خصومها في حروبها المتكررة، مثلما جمعت دولة الخلافة الداعشية العالم في مواجهة ارهابها، الاكثر شهرة واحترافاً في القتل الجماعي منذ الحرب العالمية الثانية.

وعلى حدود لبنان، محطة أخرى في سلسلة الارهاب الجوال من الموصل الى عرسال، معارك حسمها "حزب الله" بالنيابة عن اللبنانيين، مؤيدين ومناوئين، بالتعاون والتنسيق مع الجيش اللبناني، حمايةً للاهالي والنازحين وترسيما لحدود علّها تكون آمنة لمصلحة الشعبين والدولتين. المواجهة في عرسال كانت آتية، بعد سقوط قلاع الارهابيين الحصينة. هزيمة الارهاب التكفيري، في اصله "القاعدي" الممثَّل بـ"جبهة النصرة" والداعشي المُستنسخ، انجاز لمصلحة الاستقرار في لبنان، الاكثر عرضة في محيطه لحملات التحريض والنفخ في نار الهشيم المذهبي.

في بدايات النزاع السوري، البيئات الحاضنة كانت جاهزة في لبنان، مثلما كانت في دول الجوار، واستطاعت أجهزة الامن اللبنانية والجيش ان تعطلها، بدعم سياسي حازم. أما "حزب الله"، وهو آخر الاضافات على لائحة الارهاب الاميركية التي تتصدرها ايران، فتزامنت محاربته الارهاب التكفيري مع زيارة الرئيس سعد الحريري لواشنطن، وهو الارهاب عينه الذي أعلن الرئيس الاميركي ضربه في العراق وسوريا. مشهد غير مألوف في تناقضاته، يعكس المشهد السائد في واشنطن.

ولكن بمعزل عن الميدان والمواقف المعروفة، فان الحل السياسي للنزاع السوري لا يزال في سن المراهقة، لا رُشد فيه ومرشدوه كثر. الطريق معبّد بالشوك والشكوك في اتجاه تسوية غير متاحة في المدى المنظور. والتسوية بدورها هي أيضاً سلسلة محاور وحسابات تبدأ في سوريا لتصل الى أوكرانيا، مروراً بواشنطن وموسكو وانقره وطهران، فضلاً عن الاكراد، محور قوامه شعب يسعى الى دولة أو الى موقع ثابت في دولة على تقاطع شقوق التاريخ والجغرافيا.

النزاع السوري، كما عراق ما بعد الغزو الاميركي، لن يستولد كيانات دول، بل مزيداً من التفتت الداخلي والتصدع في الدولة وسلطتها. الوقائع وحالات الامر الواقع في سوريا تفرض نفسها في حرب لم تعد تخص أهلها فحسب بل صراعات المحاور بين دول متناحرة. قد يستتبّ الامن في سوريا بعد انتهاء العمليات العسكرية، ولكن على حساب الامان. ومشاريع المناطق الآمنة موضعية، تضمّد الجراح ولا تشفي. والعلاج الناجع يخضع لتفاهمات متعددة الطرف لم تبلغ مرحلة النضج والقرار.

سواء كانت الحلول في سوريا مفيدة أو "بالتي هي أحسن"، فالبلاد ستكون مختلفة عن المعهود. من بلاد الشام الى الشام وبلادها، حلول بالتقسيط تمهيدا للتسوية، ومن مقوماتها "مناطق خفض التوتر" في الجنوب ومشاريع مناطق آمنة لم تتّضح غاياتها بين ربط للنزاع وفكه، الى ان يأتي الظرف المناسب لجمع المكونات المبعثرة واعادة ترتيب الاولويات والخيارات، وان لم تنل رضى الاطراف جميعاً. وما على لبنان المراهن على المجتمع الدولي لايجاد الحلول لأزمة النزوح السوري سوى الاتكال على "الفرج" الآتي من امكنة لا تأثير للبنان فيها ولا خيار سوى الانتظار والمراوحة في سياسة اللاقرار.