Site Visitors Till Now
493780

أميركا ولبنان مَحاور بلا ميدان
أميركا ولبنان مَحاور بلا ميدان 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


أميركا ولبنان مَحاور بلا ميدان

 النائب د.فريد الخازن

10 آب 2017

مع التأكيد أن كتاب "النبي" لجبران خليل جبران دخل الوجدان الاميركي منذ زمن بعيد وأن لأصحاب المواهب والكفاءات من الاميركيين ذوي الأصول اللبنانية مكانة خاصة، وعلى رغم اصرار البعض على ان مؤامرة كيسينجر متواصلة، فإن العلاقات اللبنانية - الاميركية تخضع لاعتبارات المصالح وحسابات الربح والخسارة لا المشاعر والتمنيات والاوهام. 

لبنان ليس ضمن سلّم اولويات الادارة الاميركية، وعندما كان في مراحل سابقة، غالباً ما جاء ذلك في سياق اقليمي وليس لأسباب مرتبطة حصراً به. فمن الصعب ان يكون لبنان منافساً لعدد من الدول العربية النافذة في جلب الاهتمام الاميركي، ولا طبعاً لاسرائيل، الدولة الوحيدة التي لا تخضع لأي ضوابط أو حساب في السياسة الاميركية.

مقاربة واشنطن للشأن اللبناني تدخل حالياً في دائرة العلاقات المأزومة مع ايران. وهذا لا يعني ان لا مسائل أخرى تهم واشنطن، منها تداعيات النزاع السوري. الا ان التصدي لايران يأتي في صدارة الاولويات، وما من قضية جامعة بين الادارة والكونغرس في السياسة الخارجية الاميركية سوى ايران وكوريا الشمالية.

باستثناء المرحلة التي تلت بدايات الحرب الباردة، لم يكن للبنان اهمية خاصة في السياسة الخارجية الاميركية. الذروة كانت اوآخر الخمسينات، في زمن المدّ الناصري والمحور المتحالف مع موسكو في مواجهة المحور العربي المتحالف مع الغرب. الوحدة بين مصر وسوريا وسقوط النظام الملكي الهاشمي في العراق، حدثان مفصليان حملا واشنطن على ارسال المارينز الى بيروت في 1958 للحؤول دون ان ينجرّ لبنان الى المحور المعادي.

استطاع لبنان ان يتأقلم مع محوري الحرب الباردة فاتبع سياسة حكيمة ومتوازنة في عهد الرئيس فؤاد شهاب، الى ان جاء اعصار 1967، جارفاً موازين القوى المحلية والاقليمية، وتحول لبنان قاعدة أساسية للتنظيمات الفلسطينية المسلحة، وخصوصاً بعد خروجها من الاردن. وجاء الاهتمام الاميركي بلبنان "الساحة" بعد حربي 1967 و1973 والمنصة السياسية والاعلامية للانظمة العربية المتصارعة.

في سنوات الحرب، محطات ثلاث جَلَبت الاهتمام الاميركي لاسباب مرتبطة بالتطورات الاقليمية المتداخلة مع الحرب اللبنانية. في حرب السنتين (1975- 1976)، انصبّ الاهتمام الاميركي على احتواء الانهيار الشامل في مؤسسات الدولة عبر دعم انتخاب رئيس جمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس سليمان فرنجيه وتأمين الغطاء السياسي للتدخل العسكري السوري لضبط التمدد العسكري الفلسطيني وتداعياته الاقليمية.

المحطة الثانية فرضها الاجتياح الاسرائيلي في 1982. تعاملت واشنطن مع الحدث باهتمام شديد وارسلت أحد أبرز ديبلوماسييها فيليب حبيب اللبناني الاصل، وشكلت العمود الفقري للقوات المتعددة الجنسية بسبب المأزق السياسي والعسكري الذي واجهته اسرائيل، وبعدما استعادت سوريا نفوذها وقدراتها العسكرية بدعم متجدد من الاتحاد السوفياتي. لكن بعد الاعتداء على مقر المارينز في بيروت وقبله على السفارة الاميركية، لم يعد ثمة مبرّر للوجود العسكري الاميركي، ولا سيما بعد سقوط اتفاق 17 ايار وانسحاب الجيش الاسرائيلي الى "الشريط الحدودي" بلا تنسيق مع السلطات اللبنانية ولا حتى مع واشنطن.

محطة أخيرة تمثلت بالدور الاميركي في تأمين الغطاء السياسي للعملية العسكرية في 13 تشرين الأول 1989 واقرار اتفاق الطائف بدعم سعودي على قاعدة التسليم بالنفوذ الكامل لسوريا في لبنان. وجاءت حرب العراق في 2003 لتسقط المعادلة القائمة منذ مطلع التسعينات في ابعادها الداخلية والاقليمية والدولية.

في زمن الربيع العربي تبدلت الاوضاع الاقليمية، وفي سوريا تحديداً. لم تنخرط واشنطن عسكرياً في النزاع السوري بل استعمل الرئيس أوباما التهديد، فتم سحب الاسلحة الكيميائية. مع الرئيس ترامب دخلت واشنطن النزاع السوري من باب محاربة الارهاب ووضع حد للنفوذ الايراني. سياسة واشنطن تجاه لبنان تأتي في هذا السياق وتستهدف حزب الله في الحد الادنى والبلاد في حدود قصوى. أما أزمة النازحين فليست على جدول أعمال واشنطن، وعودتهم تأتي بعد انجاز الحل للنزاع السوري.

الحفاوة التي استُقبل بها الرئيس سعد الحريري في واشنطن لا تعني بالضرورة استجابة واشنطن لمطالب لبنان. الادارة الاميركية في مواجهة مفتوحة مع ايران وقانون العقوبات على حزب الله لا تراجع عنه والدعم الاميركي للجيش اللبناني متواصل. والمفارقة ان الحكم في لبنان يبدو أكثر تماسكاً بالمقارنة مع التجاذبات داخل الادارة الاميركية وخروج 12 من فريق العمل الاساسي في الاشهر الأولى من الولاية الرئاسية.

لا مصالح حيوية أميركية في لبنان، بل مسائل رديفة مرتبطة بما يحتويه. في الماضي، اطراف الخارج في لبنان "الساحة" جذبوا الاهتمام الاميركي، وخصوصاً النزاع العربي- الاسرائيلي حتى مطلع الثمانينات، بينما اليوم طرف لبناني يُشغل بال واشنطن في سياق المواجهة مع طهران. أوباما فتح صفحة جديدة في العلاقات مع ايران وترامب يغلقها. وفي لبنان محاور رديفة بعيداً من الميدان.