Site Visitors Till Now
402812

العالم العربي: تصدعات غير منتهية الصلاحية
العالم العربي: تصدعات غير منتهية الصلاحية 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


العالم العربي: تصدعات غير منتهية الصلاحية

النائب د.فريد الخازن

17 آب 2017

المتغيرات التي شهدها العالم العربي في السنوات الاخيرة، قبل الربيع العربي وبعده، تتجاوز مسائل السياسة والاقتصاد لتصل الى الغرف المغلقة، الى أصحاب القرار من الاجيال الجديدة والاسر الحاكمة والنخب البارزة. وهي جاءت الى السلطة من خلفيات ومواقع تختلف عن المسار الذي سلكه من سبقها. 

جيل المؤسسين في الانظمة العربية، الملكية والجمهورية، غاب، او تراجع نفوذ رموزه في السلطة. ثمة فئتان من جيل المؤسسين: قيادات سياسية اعتمدت الايديولوجيا والثورة والعسكر، واخرى راهنت على الواقعية بلا محاولات تغيير جذري في الدولة والمجتمع. والطرفان اتكأ على الثنائية الدولية في زمن الحرب الباردة. جيل الثورة والوحدة والتحرير وصل الى طريق مسدود اثر هزيمة 1967، وكان سبق ذلك سقوط الوحدة بين مصر وسوريا وحرب اليمن. جيل المحافظين اختار نمطاً مغايراً ركيزته التروي والبراغماتية ووصل بدوره الى طريق مسدود لا بسبب الهزيمة بل لان التحولات في موازين القوى انتجت تنافسا حادا وحالة من عدم الامان (insecurity).وبالنسبة الى الطرفين، العدو المشترك اليوم مصدره الداخل. ومن الخارج تأتي ايران، التي حلت مكان اسرائيل بنظر بعض دول الخليج، بينما العداء لاسرائيل في دول المشرق حدوده فلسطين.

في المقلب الآخر، استفاقة تركية لم تنته فصولاً بقيادة الرئيس اردوغان، المسكون بهاجس السلطة والتسلط داخل البلاد وخارجها. اما التمدد الايراني منذ الثمانينات فأنتج ردود فعل متناقضة: تثبيت الامر الواقع (status quo) وصراع محاور في المجال الاقليمي، ازداد تفاقماً جرّاء طموحات صدام حسين التوسعية. فائض القوة بعد الحرب مع ايران وظفه صدام على حساب طرف ثالثْ، فاجتاح الكويت وألغى الدولة تمهيداً للسيطرة في المحيط الاقليمي. ولم يكن ذلك متاحا بعدما ولى زمن الفتوحات والتوسع في مناطق بالغة الاهمية الاستراتيجية. وجاء التوافق الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت ووضع النظام العراقي تحت الرقابة الدولية، مع ما ترتّب من اثمان دفعتها دول الخليج والعراق.

في مراحل سابقة، لم يشذ العالم العربي عن مسار التحولات التي شهدتها دول أميركا اللاتينية وافريقيا وسواها ان لجهة السلطة المعسكرة في الداخل أو في سياسة المحاور الدولية. الا ان الهوة اتسعت لاحقاً، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة، فانطلق التحول الديموقراطي في اوروبا الشرقية وفي دول أخرى منذ السبعينات، بينما ظلت الاوضاع على حالها في المنطقة ووصلت في بعض الحالات الى حدّ التوريث السياسي.

الحصار اليوم يطال الجميع، في الداخل ومن الخارج. لم تعد المسائل الخلافية مرتبطة بالنظريات ولا بالمصير المشترك. فلكل دولة هموم وأولويات، والمشترك سقط حتى في الخليج، الاكثر تجانساً سياسياً واقتصادياً وثقافياً. حالة من القلق المستور تسود، وهي تصيب القوي والضعيف، وان بدرجات متفاوتة، وعلى المعنيين ان "يقلّعوا شوكهم بأيديهم". ايادي الغير لم تعد تكفي وان كان بالامكان دفع أثمانها.

 مصر تحاصرها الاوضاع الاقليمية المأزومة وفي محيطها المباشر في ليبيا والسودان. وفي ليبيا فوضى عارمة أعادت البلاد الى حقبة ما قبل الدولة. والعراق دولة مفككة تتجاذبها صراعات الدين والدنيا. وسوريا واليمن ساحتا حروب لم تنته. والبحرين على خط الصدع السياسي والمذهبي. والسعودية وقطر في نزاع حاد قضى على أي تعاون في مجلس خليجي عنوانه التعاون.

أما ايران المستقرة والمتصالحة مع المجتمع الدولي، فتسجل نقاطاً لصالحها. وتركيا جاهزة لاقتناص الفرص، تماشيا مع طموحات رئيسها. والدين في قبضة الاكثر تطرفاً. والارهاب فوق الرماد وتحته. والثروات النفطية لم تعد تكفي. وللدول الكبرى أولويات وتحديات: الحكم في أميركا "مياومة"، وروسيا المحاصرة اقتصاديا، هدفها الاستراتيجي محيطها الاوروبي المباشر. اما اسرائيل فمرتاحة ما دامت فلسطين محتلة ومنقسمة وفي قبضة المحاور المتصارعة.

في المقابل، يبدو لبنان واحة استقرار بالمقارنة مع الجحيم الاقليمي. "اللبننة" انتشرت في المنطقة ولم يعد بالامكان ستر الشقوق داخل الدول والمجتمعات. وما يقال جهراً في لبنان، يقال في الغرف المغلقة في المحيط الاقليمي. وعلى رغم هشاشة أوضاعه، يبقى لبنان الملاذ الاخير لابنائه ولسواهم.

التحولات لم تعد محسوبة النتائج، فمن القمقم خرج ما لم يكن في الحسبان. بعد الاستعماروالعروبة والثورةوالثروة والربيع العربي والتطرف الديني، هل يكون الآتي من الايام أعظم. وبعد "ترييف" السلطة وعسكرتها وبعد الاقتصاد الريعي ودول الرعاية، تأتي عودة مدوية الى الجذور، الى تصدعات غير منتهية الصلاحية. في عالم عربي مكبّل ومأزوم، لم يعد ينفع استحضار المؤامرة، من سايكس- بيكو الى كيسينجر. لوم الغير لم يعد مبررا. فما على اصحاب الدار سوى المبادرة الى انطلاقة جديدة لوضع حد لمخاطر تصيب الجميع، حكاما ومحكومين.