Site Visitors Till Now
456528

لبنان وسوريا زمن المسار لا المصير
لبنان وسوريا زمن المسار لا المصير 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


لبنان وسوريا زمن المسار لا المصير

النائب د.فريد الخازن

24 آب 2017

بعد مخاض عسير، ولادة في زمن الانتداب اثمرت دولتين: دولة لبنان الكبير ودولة سوريا. الحراك السياسي في لبنان وصل الى خواتيمه في تلك المرحلة مع الاستقلال في 1943 على قاعدة رفض الانتداب الفرنسي مقابل رفض الانضمام الى سوريا. انها خصوصية التلازم بين الميثاق الوطني والاستقلال. 

ازداد التباعد بين لبنان وسوريا في مرحلة ما بعد الاستقلال لاسباب عديدة، منها الاختلاف العميق في النظام السياسي والاقتصادي بين البلدين. ففي حين استقال رئيس الجمهورية في لبنان في 1952، بضغط من المعارضة، في منتصف ولايته الثانية، دخلت سوريا زمن الانقلابات العسكرية منذ 1949. وفي الاقتصاد ازدادت الهوة اتساعاً بين نظام ليبرالي منفتح اعتمده لبنان وآخر في يد الدولة، وخصوصا في حقبة الوحدة بين مصر وسوريا وما بعدها.

تطورات مختلفة في الستينات اخذت سوريا باتجاه التشدّد السياسي والايديولوجي، بينما لبنان شهد مرحلة بناء مؤسسات الدولة والابتعاد عن سياسة المحاور. السلطة في قبضة العسكر في سوريا، بينما "حكم العسكر" في لبنان انتهى بفارق صوت واحد في الانتخابات الرئاسية في 1970. وجاءت حرب 1967 لتطيح التوازنات القائمة وبات لبنان قاعدة أساسية للجبهة العسكرية المفتوحة مع اسرائيل وللصراعات العربية - العربية، أبرزها بين دمشق ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وقع الصدام في لبنان بين الدولة والثورة: دولة منقسمة ومترددة بمواجهة ثورة منطلقة بزخم كبير لا لتحرير فلسطين فحسب بل لاسقاط "الانظمة الرجعية"، ومنها النظام اللبناني. الصدام كان حتمياً: في الاردن بداية ومن ثم في لبنان. اندلعت الحرب في لبنان والصدام في أوجّه ومعه الانقسام الداخلي حول مسائل عدة، ابرزها التمدد العسكري الفلسطيني وكيفية مواجهته منذ اتفاق القاهرة في 1969. وما لبث ان وقع الصدام العسكري بين دمشق والمنظمات الفلسطينية في 1976 لاسباب تجاوزت حروب لبنان وتموضعاتها.

بعد اتفاق كمب ديفيد وخروج مصر من النزاع العربي- الاسرائيلي ومع التزام وقف اطلاق النار في الجولان منذ 1974، لم يبق في الميدان سوى لبنان. الاجتياح الاسرائيلي الاول في 1978 كان محدود الاهداف بالمقارنة مع الاجتياح الاوسع في 1982، وما نتج منه من تداعيات، منها المواجهة العسكرية بين اسرائيل وسوريا. بعد خروج المنظمات الفلسطينية وفشل محاولة ياسر عرفات العودة الى لبنان من طرابلس، فضلا عن حرب المخيمات في منتصف الثمانينات، باتت سوريا الطرف الاكثر نفوذاً في لبنان.

انتهت حروب لبنان واضحت دمشق الآمر الناهي بدعم عربي ودولي. اهتزت المعادلة الاقليمية اثر الاجتياح الاميركي للعراق في 2003، وبدأ العد العكسي لانسحاب الجيش السوري مع قرار مجلس الامن 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري والانتفاضة الشعبية غير المسبوقة في 2005.

ملفات ثلاثة بالغة الاهمية تفرض نفسها اليوم في سياق العلاقات اللبنانية- السورية: الواقع العسكري والامني، النزوح السوري والمسائل الاقتصادية. ما من شيء ثابت في العلاقات بين الدول سوى الجغرافيا، وخصوصاً عندما تكون الحدود متداخلة، مثلما هي بين سوريا ولبنان. في سوريا نزاع لا نهاية له في المدى المنظور وفي لبنان معادلة جديدة في السلطة. فبالاضافة الى العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، المرحلة الراهنة لا تشبه أياً من الحقب السابقة. زمن الوصاية ولى وحلت مكانه المصالح المشتركة.

للبنان مصالح مع سوريا والعكس صحيح، بمعزل عن مآل النزاع السوري في ابعاده الداخلية والخارجية. المصلحة تقتضي ان يتعاون الطرفان في المجالين الامني والعسكري، فلبنان، كما سوريا ودول الجوار، يواجه ارهابا لا رادع له ولا حدود، والجيش اللبناني يخوض حرباً ضد الارهابيين على الحدود بين لبنان وسوريا والتنسيق الميداني لا بد منه للضرورات العسكرية.

اما النازحون، فموجودون في لبنان بأعداد كبيرة. نازحو "جبهة النصرة" والجماعات المناوئة للنظام خرجوا من جرود عرسال بالتنسيق مع السلطات السورية، وأي حل لازمة النازحين في لبنان لا يتم الا بالتنسيق مع دمشق، مباشرة أو بالواسطة. ازمة النزوح ليست ضاغطة في حسابات المجتمع الدولي، بل الحل الاسهل والاقل كلفة ابقاء النازحين حيث هم، في لبنان والاردن وتركيا. لكن لبنان هو الطرف الاكثر تضررا بالمقارنة مع تركيا والاردن. وفي المجال الاقتصادي، تبقى سوريا الممر البري الوحيد للصادرات اللبنانية الى الداخل العربي. والدور اللبناني المرتقب في اعادة اعمار سوريا لن يتحقق في حال القطيعة مع دمشق.

القطار يسير في سوريا في أي اتجاه، بمعزل عن لبنان. وما مناطق "خفض التصعيد" في جنوب سوريا سوى دليل على ذلك، وهذا الامر تم بمعزل عن لبنان، المعني بهذه المنطقة المتاخمة لحدوده، مثلما هي على حدود الاردن واسرائيل. المواقف المتباينة من زيارة اي مسؤول لبناني لسوريا، كما موقف لبنان من النظام السوري، لا تقدم ولا تؤخر في موازين القوى في سوريا ولا في مسارات التسوية وخيارات اطرافها. ربط النزاع مع سوريا شيء والمصلحة اللبنانية شيء آخر. المسار مشترك في عدد من المسائل الملحة، وللمصير مسار آخر متداخل مع صراع نفوذ في محاور متشابكة تتجاوز الدولتين والشعبين.