Site Visitors Till Now
494383

الجيش اللبناني قاطرة الوحدة الوطنية
الجيش اللبناني قاطرة الوحدة الوطنية 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


الجيش اللبناني قاطرة الوحدة الوطنية

النائب د.فريد الخازن

31 آب 2017

للجيوش ادوار ومهمات تتجاوز الجانب العسكري، وهي تختلف في مضامينها وغاياتها بين الانظمة السياسية. المعارك التي خاضها الجيش اللبناني في السنوات الاخيرة جاءت حاسمة لجهة حماية لبنان وتعزيز الاستقرار وقطع الطريق على فتن داخلية تحاكي الاوضاع الاقليمية المأزومة.  

في السلسلة الشرقية، لم يخض الجيش اللبناني حرباً ضد الارهاب الداعشي فحسب بل شكل قاطرة لتوحيد اللبنانيين ولاستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها. انه البعد الميثاقي لدور الجيش في الدولة والمجتمع: مؤسسة وطنية جامعة وقادرة بالقول والفعل معاً. وجاء الدعم السياسي حاسماً ومتكاملاً، خلافاً لتجارب الماضي. رئيس الجمهورية بادر من موقعه الى التأكيد على القرار السيادي ورئيس الحكومة كان حازما بمسؤولية والتزام.

لم يلق الجيش اللبناني دعم الشعب والسلطة السياسية في المعارك التي خاضها في السنوات الاخيرة مثلما حصل في عملية "فجر الجرود". في نهر البارد في 2007، دخل الجيش المعركة بلا سند سياسي واضح وحتى بلا ذخيرة كافية وبامكانات الحد الادنى من مخازن مكدّسة بأسلحة ولى زمنها. معركة خاضها الجيش باثمان باهظة في مواجهة ارهابيي "فتح الاسلام"، ولم يدخل المخيم الا بعد اجلاء المدنيين، وابتكر سلاحا في مواجهة عدو مدعوم من دول واجهزة مخابرات، الى حد ان مصير شاكر العبسي، زعيم "فتح الاسلام"، ظل مجهولاً. وهكذا كان اداء الجيش في معركة عبرا في مواجهة أحمد الاسير، نازعاً فتيل الفتنة المذهبية التي ارادها الاسير ومَن وراءَه، وتخفّى هارباً قبل ان يقبض عليه الامن العام اللبناني.

الاجهزة الامنية بدورها سجلت انجازات نوعية في الامن الاستباقي، على رغم امكاناتها المحدودة، وباحتراف يضاهي الاجهزة الامنية الاكثر تمرّسا وقدرات. ولم يحبط عزيمتها التناحر السياسي حول دورها ومهماتها وتمويلها، ما جنّب البلاد كوارث كادت ان تحول الناس رهائن في قبضة قتلة محترفين. التكامل بين الجيش والقوى الامنية جاء لخدمة المصلحة الوطنية بإرادة صلبة وفاعلية غير مسبوقة.

في السلسلة الشرقية، خاض الجيش معركة نظيفة والتزم القانون بخط الحدود الفاصل مع سوريا. وبأدائه دحض الجيش مقولة عدم الجهوزية، وعلى رأسه قيادة حكيمة وشجاعة. قائد الجيش العماد جوزف عون خَبِر الميدان ونفذ عمليات عسكرية في جرود السلسلة الشرقية قبل تسلّمه قيادة الجيش. وعلى رغم النصر الذي أحرزه الجيش، فإن النهاية المأسوية للعسكريين المختطفين على يد داعش تبقى حالة ملتبسة وغير مألوفة في مواجهة عدو معلن لجهة اختطاف عسكريين في سياق التفاوض وليس على أرض المعركة.

محاولات الاصطياد بالماء العكر لم تنفع هذه المرة إن بالنسبة الى التنسيق الميداني مع الجيش السوري للضرورات العسكرية، أو بالنسبة الى "حزب الله" الذي حاول البعض تظهير دوره وكأنه في مواجهة مع الجيش. فالاطراف جميعهم في حرب مع الارهاب، مثلما هي الجهات الدولية التي دعمت الجيش بالسلاح النوعي. لم يلتفت الجيش الى الوراء، ولم ينتظر طائرات "الميغ" الموعودة والهبة السعودية المفقودة، بل قام بدوره كاملاً وكان جيش الناس والدولة. والمفارقة اللافتة احتدام التنافس لتبني انجاز الجيش بعدما كان متروكاً أو هدفاً للانتقاد والتشكيك.

ولا بد من التذكير بان المسار التاريخي للجيش اللبناني مناقض لمسارات جيوش دول الجوار العربي. فمنذ تأسيسه بعد الاستقلال، لم يكن الجيش اللبناني انقلابياً وابتعد عن المحاور السياسية قدر المستطاع، بل شكل حالة مغايرة للنمط السائد في دول العالم الثالث. تعطل دور الجيش في المرحلة التي سبقت اندلاع الحرب في 1975 بسبب الخلافات السياسية، ووصلت متاريس الحرب الى داخله. الا ان نواته الصلبة ظلت قائمة على رغم ما اصاب الدولة من تهميش وتهشيم ولاحقاً من تبعية للوصاية واداة لسلطة قرارها.

الجيش اللبناني يسجل اليوم نقلة نوعية بعدما كادت ان تصل اليه مساوئ الممارسات المعروفة المرتبطة بالسلطة. ولقد تعافى من انقسامات الماضي وبات حاجة للاستقرار وضرورة للوحدة الوطنية برضى الجميع ودعمهم. التأسيس الاول للجيش اللبناني كان في زمن فؤاد شهاب، والثاني اليوم في عهد الرئيس ميشال عون. والجيش الان قادر وفاعل لا في الشعارات والاناشيد الحماسية بل في المبادرة والانجاز دفاعاً عن لبنان وصوناً لكرامة ابنائه.