Site Visitors Till Now
519911

تنظيم الخلاف الداخلي "خفض تصعيد" على الطريقة اللبنانية
تنظيم الخلاف الداخلي "خفض تصعيد" على الطريقة اللبنانية 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


تنظيم الخلاف الداخلي "خفض تصعيد" على الطريقة اللبنانية

النائب د.فريد الخازن

14 أيلول 2017

ليس صحيحاً ان اللبنانيين، ولا سيما منهم القيادات السياسية، لم يعتبروا من تجارب الماضي. تنظيم الخلاف الداخلي، الذي يعكس أيضاً تجاذبات اقليمية، بات سمة لافتة في ادارة شؤون الحكم في لبنان. فما من طرف مؤثر في المعادلة السياسية الراهنة يسعى الى تحويل لبنان ساحة لحروب الآخرين أو لتصفية الحسابات في الشأن المحلي، خلافاً لما كان سائداً في مراحل سابقة، وخصوصاً في زمن الحرب. هذا مع العلم ان عناصر النزاع موجودة في لبنان، مثلما هي في المحيط الاقليمي. ثمة من راهن في الماضي على الحلول العسكرية والرهان اليوم على حلول سياسية لأزمات بالغة التعقيد تتداخل فيها مصالح الدول والجماعات.

في المرحلة الراهنة، صمام الامان في الاستقرار الداخلي محوره رئيس الجمهورية من موقعه الدستوري والسياسي، دور يقوم به، موظِّفاً علاقاته الوطيدة مع الاطراف المتخاصمين بمرونة واتزان. كما ان رئيس الحكومة وسائر مكوناتها حريصون على تنظيم الخلاف الداخلي. وكان الرئيس نبيه بري أول المبادرين في جمع "تيار المستقبل" و"حزب الله" في حوار مباشر في محاولة "خفض تصعيد" محلية وان لم تنه الخلاف القائم.

ثمة ترسيم لحدود الخلاف يلتزمه الجميع، وان بتحفظ شديد، ولا يخلو من تراشق اعلامي يفرضه الحدث. "حزب الله" المنخرط في النزاع السوري يعي طبيعة المعادلة، وان حاول توظيف مفاعيل تحولات النزاع السوري في لبنان فلن يتجاوز حدود الممكن. معادلة الحكم رسمت حدود التداخل بين الاوضاع اللبنانية والنزاعات الاقليمية. وما ساعد على ادارة الخلاف ان الاطراف النافذين في المحيط الاقليمي بغنى عن الساحة اللبنانية مع التخمة في ساحات الحروب المشتعلة في المنطقة. "سوبرماركت" النزاعات الاقليمية لا يقارن بـ"السوق" اللبناني المحدود.

لاطراف الداخل والخارج مصالح مشتركة في الاستقرار الداخلي لم تكن قائمة في الماضي. لا مصلحة لاطراف الخارج في جرّ لبنان الى نزاع مسلح من خارج الحدود أو في الداخل لاسباب عديدة، منها موازين القوى والنازحون السوريون، ولا مصلحة لاي طرف لبناني في زجّ البلاد في نزاع يصيب ضرره الجميع. لبنان لا يزال القاعدة الآمنة او الملاذ الاخير. وعلى رغم ان الاشتباك المفتوح بين واشنطن وطهران مرتبط بتحولات النزاع السوري وارتداداته على لبنان، فإنه يخضع لضوابط اتفاق فيينا الذي تلتزمه واشنطن (الى الآن) وتطالب بالتشدّد في تطبيقه. لعبة حافة الهاوية مستمرة، الا انها لا تصل بالضرورة الى الهاوية.

صحيح ان لبنان يتأثر بالاوضاع الاقليمية وبامتداداتها الدولية، الا ان حدودها تم ترسيمها بقرار لبناني أعلنه رئيس الجمهورية في خطاب القسم. أما محاولات اقحام لبنان في المحاور المتصارعة فلن تتوقف من الجهات الاقليمية والدولية كافة، وآخرها من واشنطن. الا ان السعي الاميركي لتعديل مهمات القوة الدولية في الجنوب وتحويلها الى حرس حدود بين لبنان وسوريا يتطلب قرارا يصدر عن مجلس الامن وظروفا مؤاتية على الصعيدين الاقليمي والدولي. هبّات الادارة الاميركية لا تكفي، فجيوش الدول المشاركة في UNIFIL لا تعمل لحساب واشنطن. والدول الكبرى كما الدول الاقليمية المؤثرة، هي الآن في مرحلة جديدة من الاشتباك في سوريا ما بعد "داعش". فباستثناء واشنطن وربط النزاع مع طهران لاسباب تتجاوز الواقع اللبناني، الجهات الدولية لا ترى ان ثمة حالة طارئة تستوجب تعديلاً في الوضع القائم على امتداد الحدود المستقرة مع اسرائيل منذ 2006، ومع سوريا بعد التخلص من الارهاب التكفيري.

محاور الساحة الاقليمية تختلف اليوم في حركتها وأهدافها عن محاور الحرب الباردة وما بعدها. كما ان محاور لبنان تبدلت معالمها وأطرافها. لبنان الرسمي ينأى بنفسه، ولبنان المكونات بمنأى عن الموقف الرسمي، وهكذا دواليك. انها "المعجزة" اللبنانية بطبعة جديدة منقحة. أما المواقف المتباينة داخل الحكومة فتقف عند حدود التعطيل، تحت سقف "عيش مشترك" عملي يناسب الاطراف جميعاً ويحفظ الاستقرار وينجز ما امكن.

فاذا وضعنا جانبا المسائل الخلافية الكبرى في المنطقة، وبعضها يتجاوز الاشتباك السياسي التقليدي، فالخلاف في لبنان محوره السلطة وتثبيت المواقع والنفوذ في الدولة وخارجها. حماية الاستقرار وجمهور الجمهورية يأتي في صدارة الاولويات، ولاعادة البناء في الدولة ومؤسساتها مسار طويل لا خفض فيه للتصعيد ولا حدود. حالات مدّ وجزر متواصلة لا تخلو من المطبّات، الا ان الطريق آمنة وان لم تكن دائما سالكة.