Site Visitors Till Now
402797

أميركا والعالم: الأوعية المتصلة بين أميركا ترامب وكوريا الشمالية
أميركا والعالم: الأوعية المتصلة بين أميركا ترامب وكوريا الشمالية 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


أميركا والعالم: الأوعية المتصلة بين أميركا ترامب وكوريا الشمالية

النائب د.فريد الخازن

21 أيلول 2017

الرئيس الاميركي دونالد ترامب لم يعد ظاهرة بل أصبح مغامرة مقلقة لاميركا وللعالم. ثمة تخبط متوقع في الاشهر الاولى من الولاية الرئاسية، الا ان ترامب تجاوز المألوف، بالمقارنة مع اسلافه رؤساء الولايات المتحدة منذ نحو قرن الى اليوم. حالة انفصام غير مسبوقة بين الرئيس وفريق عمله المباشر. فالرئيس في مكان والادارة في مكان آخر، تجمعهما المقار الحكومية في العاصمة واشنطن. فبمعزل عن اركان الادارة الذين استقالوا او أُقيلوا، مَن هم حالياً في مواقع المسؤولية ليسوا بالضرورة على تناغم مع الرئيس وسياساته المتقلبة. وسرعان ما اصطدم الرئيس مع اركان حزبه وليس فقط مع المعارضة.  

في السياسة الداخلية يتصرف ترامب وكأن المعركة الرئاسية مستمرة لا مع هيلاري كلينتون فحسب بل مع الرئيس السابق باراك أوباما. وفي السياسة الخارجية، حيث دور الرئيس محوري، تسود حالة "نحن وهم" (Us & them)، أي أميركا ترامب والعالم. البداية مشروع الجدار الفاصل بين اميركا وجارتها المكسيك، المطلوب تشييده على نفقة الدولة المحاصَرة. حالة هذيان غير مسبوقة في العلاقات بين الحلفاء والاعداء على حد سواء. أميركا تبدو حالياً من الدول الساعية الى نقض الاتفاقات الدولية، وهي كانت أول المنادين بها منذ الحرب العالمية الثانية. ولو تُرك على سجيته، لكان ترامب عطّل حلف شمال الاطلسي الذي بنته واشنطن ودعمته خلال الحرب الباردة وبعد انتهائها.

يضع الرئيس الاميركي الولايات المتحدة في مواجهة مع الشرعية الدولية، وهو بذلك يقدم الذريعة الانسب لكوريا الشمالية. الاوعية المتصلة بين أميركا ترامب وكوريا الشمالية يجمعها الخروج عن المعهود في السياسة الدولية. لا مجال للمقارنة بين الجمهورية الشعبية في كوريا الشمالية والنظام الديموقراطي الاميركي، اذ يمكن وضع حدّ لترامب بينما حاكم كوريا الشمالية يختزل الدولة والشعب والمؤسسات. ولم يسعف الرئيس الاميركي سوى ان كوريا الشمالية دولة منبوذة، يتصرف حاكمها بأخطر الاسلحة وكأنها لعبة بين يديه. دولة أخرى تلائم ترامب: ايران التي تُتيح معاداتها مساحة مشتركة بين الرئيس والكونغرس واسرائيل وبعض العرب. ولولا موقف الدول الموقعة لاتفاق فيينا، لكان احتمال المواجهة العسكرية مع ايران وارداً. وفي المقابل يتوق ترامب الى اقامة علاقة خاصة مع روسيا أو مع رئيسها لاسباب غير واضحة، وخصوصاً لجهة مقاربة المسائل الخلافية، وأبرزها أوكرانيا وسوريا.

في أميركا اليوم محوران: محور الرئيس ومحور المجتمع الاميركي ومؤسسات الحكم حيث الفصل بين السلطات قائم وفاعل. والسؤال هنا، ما الذي تغير، أميركا أم رئيسها؟ أميركا، وتحديداً نظام قيم مجتمعها لم يتغير، ولم يصل الى حد اللاعودة حتى مع انتخاب ترامب، الا ان الرئيس حالة غير مألوفة في تاريخ أميركا المعاصر. فبين الرئيس ويلسون، مُقترِح النقاط الأربع عشرة في مؤتمر فرساي بعد الحرب العالمية الاولى وأبرزها حق الشعوب في تقرير المصير، والرئيس ترامب، وادٍ سحيق. وبين رؤساء اميركا منذ الحرب العالمية الثانية، ترومان وايزنهاور وقبلهما روزفلت، وترامب، هوة يصعب جسرها. وحتى بالنسبة الى الرؤساء غير الملمين بالسياسة الدولية أو الآتين من خارج الاطار المعهود في واشنطن، ومنهم كارتر وريغان، فان ترامب حالة لا تشبه سوى نفسها.

الرئيس كارتر رجل مبادئ، حاول ادخال حقوق الانسان في السياسة الدولية ولم ينجح. والرئيس ريغان، الآتي من خارج النادي السياسي التقليدي وغير الملم بالسياسة الخارجية، وقف بصلابة في وجه الاتحاد السوفياتي وأحدث نقلة نوعية في الاقتصاد الاميركي. أما ترامب، وهو أيضاً من خارج النادي السياسي في واشنطن وخارجها، فيخوض معركة اخراج أميركا من منظومة القيم الليبرالية التي تبناها اسلافه منذ عقود. هذه ليست الانعزالية التقليدية في السياسة الخارجية الاميركية التي اعتمدها الكونغرس بين الحربين الكونيتين، بل محاولة خروج عن مرتكزات النظام العالمي المعاصر.

فإما ان الرئيس ترامب لا يدرك ان شعار "أميركا أولاً" لا يعني أميركا وحدها، أو انه غير آبه لتداعيات أفعاله. وفي الحالتين، مزيج من التسرع والانفعالية يطبع اداء ترامب وأسلوب عمله. هذا أمر ممكن ولا تبعات له في دولة مارقة وليس في دولة عظمى كالولايات المتحدة في زمن العولمة و Facebook.