Site Visitors Till Now
520021

المسألة السورية
المسألة السورية 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


المسألة السورية

النائب د. فريد الخازن

28 أيلول 2017                  

سوريا ما بعد "داعش" انتقلت من حالة الى أخرى: من النزاع الى المسألة، شأنها شأن المسائل التاريخية الشائكة، والاكثر شهرة في المنطقة "المسألة الشرقية" في القرن التاسع عشر. في الحالة المعاصرة للمسألة، الدولة السورية حلّت مكان الامبراطورية العثمانية والدول الكبرى والاقليمية مكان الدول الاوروبية المتنافسة في ما بينها وعلى النفوذ داخل الامبراطورية، "الرجل المريض" في تلك الحقبة.  

في الآونة الاخيرة جاء التوافق جامعاً لانهاء وجود التنظيمات الارهابية، "داعش" وسواه، في العراق وسوريا. ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة من النزاع السوري في اشتباك سياسي لا يخلو من الميدان في حال الضرورة. "خفض التصعيد" الاول في جنوب البلاد تم اقراره، أما الحلقات الاخرى لـ"مناطق خفض التصعيد" فلا تزال قيد التداول، وهذا بحدّ ذاته مشروع خلافي بين الدول المعنية، الراعية والمعارضة والمشككة.

فبالاضافة الى الاطراف السوريين، النظام ومجموعات المعارضة، لدول عدة اجندات مختلفة داخل البلاد وخارجها. روسيا، الطرف الدولي الاكثر نفوذاً، معنية بالاوضاع السورية بقدر ما هي حريصة على مصالحها في الاطار الدولي الاوسع. لروسيا مصالح حيوية في سوريا، إلّا ان عينها على علاقاتها مع الاتحاد الاوروبي وأميركا في ما يخص الازمة الاوكرانية وانهاء الحصار المفروض عليها. للولايات المتحدة مصالح في اتجاهات متعارضة، وهي لم تحسم أمرها في سوريا ما بعد "داعش". وعلى المستوى الاقليمي، تأتي ايران في صدارة المنخرطين في النزاع لاسباب يتجاوز بعضها الساحة السورية لتصل الى الاشتباك مع دول المحور العربي المناوئ وامتداداته الاميركية. تركيا بدورها في مرحلة اعادة تموضع بعدما خفّضت منسوب الطموحات، وهي تتعاطى الآن بواقعية ولا تتحرك منفردة بل ضمن محور جامع وعينها على الاكراد والمناطق المتاخمة لحدودها. دول الخليج منشغلة بالنزاع بين قطر والسعودية، والاخيرة منشغلة أيضاً بالاشتباك مع ايران وبحرب اليمن. أما اسرائيل فمتوثبة للتصدي للنفوذ الايراني والاولوية للمنطقة المتاخمة لحدودها.

في سوريا ما بعد "داعش" خطوط تماس متحولة، تحاكي تموضعات المرحلة في الداخل ومع الخارج وتفتح باب المقايضات والمقاصة المعقدة، وان لم تتّضح مضامينها. حروب سوريا وتحولاتها خاضتها جهات عديدة، دولاً وتنطيمات. وبموازاة الميدان انطلق التفاوض في مسارات مختلفة، أبرزها جنيف وأستانة، ولكل مسار ظروفه وغاياته ورعاته. وفي حين ان النظام وداعميه أكثر تماسكاً من الجهات المناوئة وداعميها، فان المسائل الخلافية متشعبة ومتداخلة. القضاء على التنظيمات الارهابية شكل هدفاً مشتركاً لسائر الاطراف ولم يعد قائماً. فلكل جهة حسابات ورهانات تتجاوز الساحة السورية، بينما للاطراف السوريين أولويات ومصالح تتقاطع او تتشابك مع توجهات أطراف الخارج وغاياتهم. مشهد حافل بالمطبات والمفاجآت، يختلف عن مسار الحرب اللبنانية أو حرب العراق في 2003 حيث كان لواشنطن سيطرة كاملة على القرار، وخصوصاً في بداياتها.

وفي الداخل المشهد لا يقل تعقيداً: النظام السياسي والنظام الحاكم وخريطة طريق باتجاه الاستقرار واعادة الاعمار. وهذا يعني ايجاد معادلة دستورية وسياسية تمهيداً لتسوية قابلة للحياة، وان لم تُرضِ الاطراف جميعهم. وكما في لبنان ما بعد الاستقلال، نفيان لم يصنعا أمة، بحسب مقولة شهيرة للصحافي جورج نقاش، ففي سوريا جمع "مناطق خفض تصعيد" أو دمجها لا يصنع دولة. الا ان هذه المقاربة تبدو متاحة وان لم يتبلور مداها، مضمونا وجدوى. وكما في أي مسألة شائكة، الوقت لا يبدو داهماً، حيث تتساوى احتمالات النجاح والاخفاق. ادارة "بلوكات" النفوذ المدعومة من هذا الطرف أو ذاك ضمن الدولة الواحدة يشكل التحدي الابرز في المرحلة الراهنة، ما يعكس موازين قوى غير ثابتة لا بد من ترجمتها سياسياً في محاولة جمع التناقضات، مضافاً اليها ما قد يستجد في الاشتباك الاميركي - الايراني حول اتفاق فيينا مع اصرار واشنطن على ربط تنفيذ الاتفاق بالحد من النفوذ الايراني في سوريا والمنطقة، اضافة الى الاشتباك بين الاكراد واطراف النزاع في سوريا ودول الجوار.

في خمسينات القرن الماضي، جاء "الصراع على سوريا" في الاتجاهين العربي والدولي. أما الآن فالصراع في اتجاهات متعددة، في الداخل ومع اطراف الخارج في المحيط الاقليمي العربي وغير العربي، فضلاً عن الدول الكبرى المنخرطة في النزاع .لا تقسيم في سوريا ولا دولة بسلطات مركزية كاملة، بل صيغة قد تكون ممكنة بين الاثنين. انها "البيئة الحاضنة" للمسألة السورية بعناصرها المكتملة.