Site Visitors Till Now
477688

"نزوح" طوعي وآمن من اللاموقف إلى المبادرة
"نزوح" طوعي وآمن من اللاموقف إلى المبادرة 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


"نزوح" طوعي وآمن من اللاموقف إلى المبادرة

النائب د. فريد الخازن

5 تشرين الأول 2017

لم يكن للبنان يد في أزمة النزوح السوري. لكن للبنان مصلحة أكيدة في ايجاد الحلول للازمة المتفاقمة، خصوصاً انه الاكثر تضرراً بالمقارنة مع دول النزوح الاخرى. ثمة خصوصية للنزوح السوري في لبنان ليس فقط بسبب نسبة النازحين المرتفعة الى عدد السكان بل لاسباب مرتبطة بطبيعة العلاقات اللبنانية - السورية، ماضياً وحاضراً. 

اعتاد المجتمع الدولي، ممثَّلا بالمنظمات المعنية بشؤون اللاجئين، ان يتعامل مع لبنان وكأن لا دولة فيه ولا قرار، مثلما كانت الحال في زمن الحرب وبعد انتهائها. تحاول الدولة الآن ان تستعيد دورها للتصدي للازمة. وجاء كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في الامم المتحدة واضحاً ومعبّراً، اذ ميّز بين النزوح واللجوء، مشدّداً على ضرورة تحديد أسباب النزوح لرسم السياسة التي يجب ان يتبعها لبنان حفاظاً على مصالحه. وهذا الموقف يأتي على خلفية التعامل الدولي مع مأساة اللاجئين الفلسطينيين منذ 1948، فالمجتمع الدولي سلّم بالموقف الاسرائيلي الرافض لحق العودة، الصادر في القرار 194 عن الجمعية العامة للامم المتحدة قبل نحو سبعين عاماً.

ثمة اقرار الآن من معظم الاطراف اللبنانيين بواقع التداعيات السلبية لازمة النزوح وبأنها ستزداد تعقيداً، وخصوصا بعد تراجع دعم الدول المانحة وكلام الرئيس الاميركي في الامم المتحدة الداعي الى ابقاء النازحين حيث هم، فتكون الكلفة أقل من أي خيار آخر. هذا الكلام، وان كان غير ملزم، فانه يعكس التوجه العام للادارة الاميركية. والمفارقة ان صاحب هذا الرأي بنى حملته الرئاسية على وعد باقامة جدار فاصل مع المكسيك لوضع حدّ للهجرة غير الشرعية، أي النزوح، الى أميركا. المجتمع الدولي يُسدي النصائح لتبرير سياسة تكريس الامر الواقع وايجاد الذرائع للتهرب من المسؤولية ما دامت المشكلة على ارض الغير. وما يُتخذ من اجراءات في دول الاتحاد الاوروبي وأميركا باسم السيادة الوطنية، التي استفاض الرئيس ترامب في الكلام عنها، تتحول انتهاكاً لحقوق الانسان والقانون الدولي في لبنان. وبما ان الحلول للنزاع السوري طويلة الامد، فهذا يعني ان الازمة متواصلة واعباءها ستتفاقم على كل المستويات.

في لبنان، يبدو الخيار الاسهل والاقل تحملاً للمسؤولية التسليم بالامر الواقع في انتظار المجهول، وتبرير ذلك بالتعويل على المجتمع الدولي أو الامم المتحدة التي لن تحرك ساكناً ما دام لبنان ينتظر ولا يبادر أو يحتجّ. لكن ثمة مقاربة أخرى لأزمة النزوح تنطلق من اجراءات تتخذها الدولة للحد من الضرر، منها ضبط الحدود وتسجيل ولادات اطفال النازحين فلا يبقون بلا بطاقة تعريف لجهة جنسيتهم السورية. الا ان المطلوب فعلاً ان تقوم الدولة بخطوات لحمل الاطراف المعنيين على اعتماد خطة عمل لبرمجة عودة النازحين الى ديارهم. بكلام آخر، أخذ المبادرة بكل الوسائل المتاحة لوضع خريطة طريق لعودة النازحين بحسب الاسباب والاعداد وأماكن حالات النزوح. وما من أحد يتوقع عودة كاملة وشاملة للنازحين دفعة واحدة بل مقاربة عملية قابلة للتنفيذ تحفظ المصلحة اللبنانية والحقوق الانسانية للنازحين.

واستنادا الى السجال الداخلي المعهود، اي خطوة قد تتخذها الدولة اللبنانية في اتجاه حل أزمة النازحين ستعطى تفسيرات شتى، تبدأ بالاعتراف بالنظام السوري لتصل الى "التطبيع". وأياً كانت المواقف، الازمة تخص لبنان قبل سوريا أو أي طرف آخر، وهي مرتبطة بجهات عدة، وخصوصا الدولة السورية، الممر الالزامي للحل لأي طرف معني بالازمة، سواء كان لبنان، الامم المتحدة او سواهما. ولا بد من الاشارة الى ان النزاع السوري في عامه السادس غير مرتبط بمحاور الاشتباك الداخلي في لبنان ولا بالمواقف المتباينة لأطرافه، فهي لا تقدم ولا تؤخر في مسار التسوية في سوريا. واذا تبيّن ان مفتاح الحل في سوريا مرتبط بأزمة النازحين في لبنان وباحتمال تبدل موازين القوى، عندها يُتخذ القرار المناسب في ضوء ما استجد.

والى ان يصبح لبنان دولة مؤثرة في السياسة الدولية، لا بد من وضع قطار حل ازمة النازحين على السكة، بدل التلطي وراء سياسة اللاموقف، فلا سكة لحل ازمة النازحين الى الآن ولا قطار، بل رهان على الانتظار. والاكيد ان سياسة التعويل على المجهول، بعدما دخل النزاع السوري مرحلة المقايضات المعولمة، هي الاكثر ضرراً على لبنان الدولة والمجتمع. واذا تم النزوح السوري بلا اذن من أحد، فلا بد من "نزوح" طوعي وآمن للقرار اللبناني من اللاموقف الى المبادرة.