Site Visitors Till Now
477660

الأكراد ومأزق الجغرافيا والتاريخ
الأكراد ومأزق الجغرافيا والتاريخ 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


الأكراد ومأزق الجغرافيا والتاريخ

النائب د.فريد الخازن

19 تشرين الأول 2017

الدولة، حلم يراود الاكراد في شمال العراق منذ نحو قرن، اثر انهيار السلطنة العثمانية وانطلاق مشاريع الدول في المنطقة. لغة العصر آنذاك، في زمن التحولات الكبرى، تمثلت في مطالبات الشعوب بكيانات دول باسم القومية أو الوطنية المحلية، أو لآن الظروف بدت متاحة. 

الشريف حسين الهاشمي سعى الى اقامة دولة عربية جامعة منذ اعلان الثورة على العثمانيين في 1916، ولم يفلح. وجاء البديل دولتين في الاردن والعراق بدعم بريطاني ومحاولة لم تثمر في سوريا. مشاريع الدول انتشرت في تلك الحقبة بسياقات مختلفة، في السعودية واليمن وسواهما. كما سعت الحركة الصهيونية الى اقامة دولة يهودية في فلسطين ولم تنل سوى وعد بلفور البريطاني في 1917 بكيان وطني (homeland). ولم تنشأ الدولة إلّا في 1948 في ظروف مغايرة، بعد الحرب العالمية الثانية وحرب شاركت فيها الدول المجاورة لفلسطين. وفي لبنان نشأت الدولة في 1920 وعكست تلاقي المطالبات المحلية مع المصالح الفرنسية. وفي سوريا انتقل المشروع الفرنسي من دويلات الى دولة واحدة. وحدها مصر كانت خارج حالات الفرز والضم ومشاريع الدول القومية الكبرى، وهي دولة قائمة منذ مطلع القرن التاسع عشر في زمن محمد علي وباتت لاحقاً تحت النفوذ البريطاني. مصر ما قبل عبد الناصر كانت تدور في فلك الوطنية المصرية، فكان سعد زغلول رئيس وفدها المفاوض في فرنسا بعد الحرب العالمية الاولى، ومعه تأسس حزب الوفد الأكثر نفوذاً في تلك المرحلة.

ثمة مشاريع دول أخرى انطلقت من خلفية تاريخية وايديولوجية، قومية تحديداً، متأثرة بالنماذج الاوروبية، أبرزها دولة عربية تجمع من يتكلم لغة الضاد، مثلما نشأت الدولة في كل من المانيا وايطاليا في القرن التاسع عشر، وفي محاذاتها مشروع آخر أطلقه انطون سعاده لكيان دولة باسم القومية السورية، المتعارضة مع القومية العربية وعلى أرضها. في تركيا نشأت الدولة القومية العلمانية على يد أتاتورك لتحل مكان الامبراطورية وفي قطيعة كاملة معها. وفي ايران حلّ الشاه على رأس نظام سياسي يحاكي النموذج التركي، مدعوما من الغرب، الى ان أسقطت الثورة الاسلامية النظام ولم يبق من ايران الشاه سوى حدود الدولة.

اكراد العراق حالة مختلفة، في مسارها التاريخي والسياسي وطموحات شعبها. الموقع الجغرافي لاكراد شمال العراق مزيج من النعمة والنقمة. لكردستان العراق المتاخمة لتركيا وايران وسوريا أهمية استراتيجية، ازدادت في السنوات الاخيرة جراء الحروب والتحولات العميقة، فضلاً عن الدولة الداعشية، إلّا ان مصير مشروع الدولة يرتبط بحسابات موازين القوى بين الاطراف الاقليميين والدوليين المؤثرين. ولا يزال الاكراد بلا دعم دولي حاسم لاقامة دولتهم، وإن بوسيلة الاستفتاء، فلا معاهدات دولية اليوم لصالح الاكراد أو ضدهم، خلافاً لمعاهدات سيفر ولوزان في عشرينات القرن الماضي.

موقف تركيا المناهض للاكراد معروف، وازداد حدة في عهد الرئيس اردوغان، مثلما هو موقف العراق، وإن لاسباب مختلفة، منذ نشوء الدولة في عشرينات القرن الماضي. العلاقات بين بغداد والاكراد حافلة بالصدامات والاخفاقات وبوطأة النزاعات المتداخلة بين العراق ودول الجوار. الانتفاضات الكردية، في ايران ("جمهورية مهاباد" في 1946) وفي سوريا منذ 2011، مصدر قلق مشترك لهذه الدول. القيادة التاريخية التي يمثلها اليوم مسعود البارزاني ليست بديلاً من الواقع الجيوسياسي المعاكس لقيام دولة مستقلة، محاصرة من كل الجهات. الا ان حقوق الاكراد مؤمنة في نظام فيديرالي في العراق، حيث المنازلة الاصعب في كركوك بمعزل عن مآل المشاريع المطروحة، وفي سوريا في اطار تسوية لا بد ان تراعي خصوصية الاكراد ومصالحهم.

وعلى رغم الكلام الرائج في المنطقة حول تقسيم الدول، فإن مصالح الدول الكبرى والدول المجاورة لاقليم اكراد العراق تتعارض مع قيام دولة جديدة في منطقة تتقاطع فيها النزاعات المحلية والاقليمية والدولية. وما من طرف راغب في الحسم أو قادر عليه في أي اتجاه، خلافا لدولة جنوب السودان التي انفصلت عن السودان بغطاء اميركي.

أما الحالات الاخرى التي أدت الى نشوء دول جديدة بعد انتهاء الحرب الباردة فجاءت بدعم دولي، أميركي وأوروبي تحديداً، بعد تفكك يوغوسلافيا مع انهيار الاتحاد السوفياتي والانفصال السلمي في تشيكوسلوفاكيا. ادارة انفصال الدول في أوروبا ما بعد الحرب الباردة لا تقاس بحالة الاكراد في محيط اقليمي مأزوم تحركه الصراعات القومية والانقسامات المذهبية. انه مأزق الجغرافيا والتاريخ في زمن الاقتصاد المعولم والعصبيات المستعادة، ولم تعد تصلح الايديولوجيا والشعارات والثورات لسترها.