Site Visitors Till Now
475316

أميركا وإيران اشتباك متواصل قبل النووي وبعده
أميركا وإيران اشتباك متواصل قبل النووي وبعده 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


أميركا وإيران اشتباك متواصل قبل النووي وبعده

النائب د. فريد الخازن

26 تشرين الأول 2017

بين أميركا وايران لم يبقَ "للصلح مطرح". الرئيس الاميركي دونالد ترامب أعلن الحرب السياسية على ايران وعلى سلفه باراك اوباما بمفعول رجعي. وقد يكون العداء لايران الجامع الاوثق بين الرئيس الاميركي والكونغرس المعارض لاتفاق فيينا النووي قبل انتخاب ترامب. الاعتراض الاميركي يتجاوز الجانب النووي للاتفاق ليصل الى مفاعيله السياسية. فالاتفاق الدولي شيء والسياسات الخارجية لواضعيه شيء آخر، ولكل من الحالتين حسابات وتداعيات. 

وعلى رغم التزام ايران مضامين اتفاق فيينا، كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الموقعة باستثناء الولايات المتحدة، فالازمة مرتبطة بايران الدولة النافذة والمزعجة لحلفاء أميركا في المنطقة. أميركا تخرج عن الاتفاق، بينما الدول الموقعة تعارض وبكلام لا لبس فيه. الاعتراض الاميركي هو فعلاً على فك النزاع السياسي مع ايران. فالعلاقات بين أميركا وايران لم تكن مأزومة بل مقطوعة تماماً منذ سقوط الشاه في 1979. ايران الاسلامية انطلقت بمشروع "تصدير" الثورة ووسعت دائرة نفوذها الاقليمي، مستفيدة أيضاً من اخطاء الغير، وخصوصاً في العراق اثر الغزو الاميركي، ومن ظروف مؤاتية في لبنان وسوريا وفلسطين. وأخذت أخيراً خيار المصالحة مع العالم مع تحولات السياسة الدولية، في عهد الرئيس أوباما تحديداً، فتم الاتفاق مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن والمانيا.

فاذا كانت السياسة الخارجية لترامب في اشتباك مع الحلفاء، فليس مستغربا ان يقع الصدام مع الاعداء، بمعزل عن اتفاق فيينا، خصوصاً ان واشنطن تتهم طهران بالارهاب. المسألة تتجاوز ايران لتصل الى العالم الخارجي المعادي لمصالح أميركا من وجهة نظر ترامب، في التجارة الدولية والبيئة ومنظمة الاونيسكو. والمفارقة ان ايران تسعى الى ان تتصالح مع العالم، بينما أميركا ترامب تسير في الاتجاه المعاكس. في الانظمة السياسية أجنحة وتيارات متصارعة. الجناح المتشدد في ايران لم يرحب باتفاق فيينا، وهو يتلاقى الآن مع الجناح المتشدد في أميركا. التفّلت من الاتفاق يلائم الطرفين، حراس الثورة وحراس الجمهورية.

لا تبدو ايران مستعجلة، وهي تراهن على الشرق الاوسط القديم، بينما أميركا ترامب منفعلة وحائرة بين الشرق الثابت في قدمه وجديده الموعود، كما انها تواجه ادارة اميركية في تناحر دائم. التحدي الابرز يكمن في كيفية تصدي واشنطن لايران في حال سقوط الاتفاق. هذا مع العلم ان التمدد الايراني في المنطقة سابق لاتفاق فيينا ولم يأت بسبب المشروع النووي لايران بل بأدوات النفوذ التقليدية التي تستعملها الدول لادوار خارج نطاق حدودها. أي صدام جراء سقوط الاتفاق ساحته المنطقة العربية. أما اسرائيل فهي في عداء مع محيطها، وأي أزمة جديدة لن تغير في أوضاعها ما دام الدعم الاميركي ثابتا. في أميركا، اسرائيل سيدة قرارها وهي تحاول توريط واشنطن في مغامرة جديدة وبلا مردود مضمون، اذ ان ادوات النفوذ الاميركي محدودة في سوريا والعراق وحتى مع ايران. ولا سبيل الى قلب موازين القوى بلا تدخل عسكري اميركي مباشر، لا يبدو متاحاً في الظروف الراهنة.

الربط بين مصير الاتفاق النووي والسياسات الاقليمية لايران لا يفي بالغرض المطلوب في ظل التوازنات القائمة. فالدول الكبرى لا تحبّذ احداث تبديل جذري في المعادلات السائدة، ارضاء لترامب ولتقلبات سياساته تجاه الحلفاء قبل الاعداء. الاتحاد الاوروبي منشغل بأزماته وأي صدام بين أميركا وايران يصيب أوروبا بالدرجة الاولى وليس الولايات المتحدة. ولا يمكن التعويل على سياسة اميركية ثابتة في أي اتجاه في المنطقة أو خارجها.

المسألة سياسية بامتياز وأدوات الحسم في مسارها عسكرية. وعلى رغم ان الاوضاع لا تزال مضبوطة، الا انها تسير باتجاهات تحمل مخاطر المغامرة بين حدّي الصدام وتحسين شروط الاتفاق. وفي الحالتين، قد تكون التسوية في سوريا أبرز ضحاياها، حيث محاور السياسة والميدان تضع ايران المتناغمة مع تركيا وروسيا في مواجهة المحور الاميركي وحلفائه. واذا كانت التطورات الاخيرة في كردستان العراق جمعت العراق وتركيا وسوريا وايران في محور واحد، تم اختباره أخيراً بفاعلية في كركوك، فان الاشتباك الاميركي - الايراني سيعطي هذا المحور زخماً جديداً. هكذا تعود الكرة الى ملعب الاشتباك المتواصل بأدواته التقليدية المعروفة. والضحايا هم الناس، رهائن الترهيب النووي بعد الارهاب التكفيري.