Site Visitors Till Now
402789

السعودية أكثر نفوذاً من إيران في لبنان
السعودية أكثر نفوذاً من إيران في لبنان 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


السعودية أكثر نفوذاً من إيران في لبنان

النائب د. فريد الخازن

9 تشرين الثاني 2017

لم يسبق لمسؤول كبير ان أعلن استقالته من دولة غير تلك التي يمثلها. وليس مستغرباً الا يلحظ الدستور اللبناني حالة استقالة متلفزة من خارج البلاد. التعامل مع هذا الحدث المفاجئ يتطلب تريثاً وحذراً، مثلما يتعاطى رئيس الجمهورية واركان الدولة بمسؤولية عالية. فالمسألة وطنية وسياسية قبل ان تكون دستورية. وعلى رغم ما تحمل من سلبيات فهي ساهمت في شدّ عصب الوحدة الوطنية والتضامن لايجاد الوسيلة الانسب للتعامل مع هذا التحدي غير المألوف. 

في المضمون، بيان الاستقالة لا يأتي على ذكر الجوانب المرتبطة بشؤون الحكم في لبنان، ولا سيما منها الخلافية. والاكيد ان المسائل الخلافية داخل الحكومة لا علاقة لها بالامة العربية، بتاريخها أو حاضرها، ولا بايران. فالبطاقة البيومترية وطريقة اعتمادها، فضلاً عن ملفات الكهرباء والنفط والغاز وسواها غير مرتبطة باتفاق فيينا النووي ولا بحرب اليمن وتمدد النفوذ الايراني في المنطقة. أما التصدي لـ"حزب الله" فمعلّق على فرضية اتخاذ الخطوات المطلوبة لانهاء نفوذ ايران الاقليمي، تمهيدا لتموضع جديد للبنان. هذا من وحي بيان الاستقالة، الا ان أي خطوة وفي أي اتجاه لا معنى لها إلّا بعد عودة الرئيس الحريري الى لبنان.

في المملكة العربية السعودية مخاض كبير في غير اتجاه وفي مسائل جوهرية. توقيف أمراء بارزين ووزراء وقادة عسكريين ورجال أعمال سلوك غير مسبوق في الاداء السعودي، وكأنه انقلاب استباقي في عملية انتقال حاسمة لمواقع النفوذ والسلطة، هي الاكبر والاشمل منذ قيام المملكة مطلع ثلاثينات القرن الماضي.

في بيان الاستقالة، المواجهة المعلنة هي مع ايران. لكن كيف يمكن التصدي لايران بالاستقالة أو بتعطيل الحكم في لبنان؟ بيد ان الاستقالة لا تخص فقط رئيس الحكومة بل المؤسسات الدستورية وأركان السلطة في لبنان. هل المقصود زج البلاد في ازمة مفتوحة الى ان تستعيد الامة العربية مكانتها ويتلاشى النفوذ الايراني في المنطقة؟ هل القطيعة مع قطر أدت الى انكفاء الحرس الثوري في ايران، وهل استقالة الحريري ستحمل طهران على اعادة النظر في برنامج الصواريخ الباليستية؟ واذا افترضنا ان الاستقالة جاءت لتضع حداً لخسائر سياسية تكبدها الرئيس الحريري جراء تسوية الحكم في لبنان، فهل الاستقالة في الشكل والمضمون ستعيد للحريري رصيداً خسره أو نفوذاً ارتبط بموقع رئاسة الحكومة؟ لاستقالة الرئيس الحريري تبعات تصيب الحريري وفريقه السياسي والحكم والبلاد. أي انها تصيب الأطراف جميعاً باستثناء ايران. والاستهداف يصيب نهج الانفتاح والاعتدال الذي أرساه الحريري في لبنان، والمفارقة انه النهج الذي تحاول الرياض تظهيره في الداخل ومع الخارج.

ايران دولة نافذة ولها طموحات تتجاوز حدودها منذ عقود، مثلما هو سلوك الدول، ومنها السعودية وقطر ومصر وسوريا وتركيا والعراق وسواها، فضلاً عن الدول الكبرى. الواضح ان الاشتباك السعودي - الايراني وصل الى لبنان ومن ورائه الاشتباك الاميركي - الايراني. لكن افتعال ازمة في لبنان لن يحدّ من نفوذ ايران في اليمن أو في سوريا والعراق وأفغانستان. واذا سلّمنا جدلاً بمقولة "طفح الكيل"، فان التعامل مع الواقع المستجد لا بد ان يراعي مصلحة لبنان. فالانقلاب غير ممكن في لبنان، والالغاء ولّى زمنه، واهتزاز الاستقرار لا يفيد السعودية ولا يؤثر في سياسة ايران. الاشتباك الدائر في المنطقة في ابعاده الدولية يتجاوز لا قدرات لبنان فحسب بل العالم العربي مجتمعاً، وهو الآن في ذروة التشرذم والانقسام، وفي الخليج تحديداً، على رغم انه الاكثر تجانساً بين مجتمعات العالم العربي وأنظمة الحكم فيه.

الفصل بين الداخل اللبناني والمسائل الاقليمية الخلافية كان قائماً في سياسة الحكم في لبنان، مضافاً اليه ربط نزاع بحدود معروفة، والغاية منه إبعاد الصراعات الاقليمية عن لبنان. الاستقالة تُدخل البلاد في محاور النزاع الاقليمي المفتوح على شتى الاحتمالات. والمصلحة الوطنية تقتضي ألا يستعيد لبنان وظيفة الساحة الرديفة لتصفية الحسابات وعلى حسابه. ولا بد من التمييز بين الواقع السياسي الداخلي والصراعات الاقليمية جراء تفاقم الاشتباك الاميركي والسعودي مع ايران. استقالة الرئيس الحريري في ظروف غامضة تصيب الحليف الاول للسعودية في لبنان. هكذا تبدو السعودية أكثر نفوذاً من ايران في لبنان. وتبقى الحيطة والحكمة أفضل ما لدى لبنان، دولة وشعباً، حرصاً على وطن حصانته الحرية وكرامة الانسان.