Site Visitors Till Now
457091

براكين المحاور المشتعلة ولبنان
براكين المحاور المشتعلة ولبنان 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


براكين المحاور المشتعلة ولبنان

النائب د. فريد الخازن

16  تشرين الثاني 2017

زحمة محاور متشابكة تجتاح المنطقة ومنها لبنان. تداعيات الربيع العربي لم تكتمل فصولاً. وللسعودية "ربيعها"، من اليمن الى قطر، وصولاً الى لبنان. في قطر أعلنت الرياض الحرب السياسية وفي اليمن الحرب العسكرية. وفي كلا الحالين المواجهة مع الخصوم أو الاعداء. أما في لبنان فالمواجهة مع الحليف الاقرب قبل ان تكون مع أي طرف آخر. في بيان استقالة الرئيس الحريري، اعلان حرب على ايران الراغبة في "تدمير" الامة العربية. والسؤال كيف يمكن الرد على ايران، "وفي كل جزء من أجزاء أمتنا الغالية"، كما جاء في البيان، فلا يتحول لبنان ساحة لتصفية الحسابات. الجواب معلق الى حين عودة الرئيس الحريري الى لبنان، وإن جاء النأي بالنفس بحدود الممكن عن بيان الاستقالة في المقابلة التلفزيونية.

في لبنان محاولة فصل بين حالتين: واحدة في الداخل وأخرى في الخارج. في الداخل جاءت تسوية الحكم لابعاد لبنان عن الصراعات الاقليمية. وخارج البلاد، نزاعات دائرة شارك "حزب الله" في بعضها، في سوريا تحديدا. ومع تفاقم الاشتباك المزدوج، السعودي - الايراني والاميركي - الايراني، وقع الصدام. فاذا كان المقصود التصدي لايران، فساحات المنطقة متعددة ومفتوحة وقد تكون أكثر جدوى من زج لبنان في أزمة داخلية لا تؤثر في المعادلات الاقليمية المدوّلة. وإلا يكون المطلوب افتعال الفتنة وحالة من عدم الاستقرار في لبنان، لا تريدها معظم الدول المعنية بأوضاع المنطقة.

سياسة النأي بالنفس سقطت مع استقالة الرئيس الحريري. والمطلوب نأي بنسخة جديدة غير واضحة المعالم والغايات، وبأدوات قد تتجاوز قدرات لبنان. النأي بالنفس مصطلح دخل السياسة اللبنانية حديثاً، إلّا انه يعكس واقعاً عمره من عمر الاستقلال. محاولات تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية انطلقت مع الميثاق الوطني في 1943 على قاعدة اللاءين، لا للشرق (أي رفض الاندماج في مشاريع الوحدة) ولا للغرب (رفض الانتداب الفرنسي). وسلكت طريقها في ظروف مغايرة في الخمسينات في زمن تقاطعت فيه ثنائية المحاور العربية مع الحرب الباردة، فانقسم العالم العربي ومعه لبنان. أزمة 1958 في لبنان عكست التجاذبات الاقليمية المتداخلة مع الانقسام الداخلي.

في الستينات تراجعت حدة المحاور المرتبطة بالحرب الباردة وأصبحت المحاور الاقليمية فاصلة: حرب اليمن في الداخل وبين مصر والسعودية وصراع النفوذ والسلطة داخل حزب البعث الحاكم في سوريا والعراق، وبين البعث وعبد الناصر. استطاع الرئيس شهاب ان يُبعد البلاد عن هذه الصراعات وأقام علاقات وثيقة مع الرئيس المصري لكن من غير ان يكون لبنان في موقع مناهض للغرب . ظل لبنان خارج المحاور الاقليمية الى ان اجتاح محور النزاع العربي - الاسرائيلي العالم العربي بالضربة القاضية. حرب 1967 قلبت المعادلات رأسا على عقب، ولم يعد بالامكان فصل لبنان عن الواقع الاقليمي المأزوم بعد الهزيمة المدوية. خلال سنوات الحرب تكرّست وظيفة لبنان الساحة الملائمة لاطراف الداخل والخارج. انتهت الحرب بعد خمسة عشر عاماً بـ"تحييد" الدولة عن القرار السيادي بغطاء اقليمي ودولي، وبات لبنان في قبضة المحور السوري، الى ان سقطت المعادلة في ابعادها الداخلية والخارجية في 2005.

في مراحل سابقة كانت المحاور المتقابلة "متجانسة" في ظروفها وغاياتها والنزاعات محدّدة ومحدودة. أما اليوم فالبراكين مشتعلة في كل مكان، داخل الانظمة وفي ما بينها، في الدين والدنيا وفي المنطقة وخارجها. حالة غير مسبوقة في نظام اقليمي عربي مأزوم واشتباك يبدأ بالعصبيات المحلية ولا ينتهي مع اتفاق فيينا النووي. في الماضي شكل الموقف من العروبة والنزاع العربي - الاسرائيلي محوراً ناظماً للصراعات الاقليمية المتداخلة مع محوري الحرب الباردة. اما اليوم فالمحاور متضاربة واسرائيل ليست غائبة عنها. الى حين استقالة الرئيس الحريري، كانت ثمة ارادة لدى القوى السياسية لتحييد لبنان عن الميدان مع ربط نزاع داخلي حدوده الاستقرار. تبدل المشهد اليوم، فالعروبة تقاس بحسب الموقف من ايران والنزاع العربي - الاسرائيلي تحول اداة تجاذب يعكس الانقسامات في فلسطين وخارجها. وعندما تصل المحاور الى دول مجلس التعاون الخليجي، يتعطل القياس.

محاور اليوم مشتتة في الداخل ومع الخارج. فبعد تجوال اقليمي، جاء دور لبنان في ظل الاوضاع الداخلية غير المسبوقة في السعودية. الصراع على السلطة في المملكة يُستكمل صراعا على السلطة في المنطقة. الا ان تحويل لبنان ساحة تتقاطع فيها الصراعات لا يبدل موازين القوى في النزاعات الدائرة في المنطقة، فلكل حالة مسارها الداخلي والاقليمي والدولي. اما وظيفة لبنان الساحة لمن يهمه الامر، على قاعدة المردود الايجابي لمريديها، فتعود الى زمن مضى في المحيط الاقليمي ولبنان.