Site Visitors Till Now
494138

العروبة وتحوّلاتها
العروبة وتحوّلاتها 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


العروبة وتحوّلاتها

النائب د.فريد الخازن

 7  كانون الأول 2017

مع الاشتباك المحتدم بين السعودية وايران تعود العروبة الى الواجهة بعد أفول نجمها. من المشرق انطلقت العروبة، من سوريا تحديداً، وفي الخليج تموضعت على وقع الاشتباك الدائر بين السعودية ودول الجوار، داخل مجلس التعاون وفي اليمن ومع ايران. فالعروبة، شأنها شأن أي عقيدة سياسية، لا بد ان تكون في مواجهة مع خصوم وأعداء. لزمن طويل كان لاعداء العروبة عنوانان أساسيان: الاستعمار أو "الامبريالية" (بريطانيا وفرنسا ولاحقاً أميركا) واسرائيل. اما اليوم فالاعداء صنفان: في الداخل بين أهل الدار وايران في الديار. الغرب، ممثلا اليوم بأميركا ترامب، بات الحليف الاوثق للسعودية وحلت ايران مكان اسرائيل عدواً كامل الاوصاف. فلولا ايران لما كانت لعروبة اليوم قضية محورية، وان لم تكن جامعة

الاطلالة الفعلية للعروبة جاءت مع انهيار السلطنة العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى. عروبة تلك المرحلة ارتبطت قيادتها بالهاشميين، الآتين من الحجاز الى المشرق. عروبة منطلقة، لا نكبة تحركها ولا نكسة، على يد نخب جديدة تبنّت العروبة وبلورت مفاهيمها، تاركة خلفها الانتماء العثماني، ومن أبرز أركانها ساطع الحصري. وجاءت عروبة جامعة الدول العربية في منتصف الاربعينات لتعكس الواقعية السياسية في حضرة النفوذ البريطاني. تبدل المشهد مع نشوء اسرائيل في 1948. في ميسلون خسرت العروبة المعركة وفي فلسطين خسرت الحرب والارض.

مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، انطلقت العروبة بزخم شعبي كبير وبمضامين جديدة، عروبة ثائرة بوجه "الانظمة الرجعية" وفي صراع مفتوح مع اسرائيل. مع الناصرية وحزب البعث وسواهما، انتقلت العروبة من العموميات الى الايديولوجيا، ومن المعارضة الى السلطة. وتحقق الحلم مع دولة الوحدة بين مصر وسوريا في 1958 التي لم تدم طويلاً، وترك انهيارها تصدعات لم يسلم منها أحد. وسرعان ما انقسم حزب البعث الحاكم في العراق وسوريا لا بسبب الخلاف على العقيدة والاهداف وانما في صراع محوره السلطة والنفوذ.

حرب 1967 اطلقت عروبة مقاتلة لتحرير الارض من الاحتلال، في فلسطين ومصر وسوريا. ولم تعد انصاف الحلول ممكنة بعد هزيمة الجيل الذي ثار على "جيل الهزيمة" جراء نكبة 1948. جيل العمل الفدائي والكفاح المسلح تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية شكل حالة غير مسبوقة، وان تراجع زخمها بعد حرب 1973 وذهب اطرافها كل في طريقه. وكان للصراعات الاقليمية متنفس ملائم مع اندلاع الحرب في لبنان، وسرعان ما انتقل الصراع حول العروبة الى مواجهة بين دمشق والمنظمات الفلسطينية. الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982 لم يحرك العالم العربي، الا انه اعطى دفعاً جديداً لعروبة منهكة بعدما تشتتت غاياتها وقضاياها. اندلعت الحرب في لبنان على خلفية هوية لبنان العربية. الوثيقة الدستورية في 1976، بوساطة سورية، أعلنت لبنان بلداً عربياً، وكانت محاولة أولى لتسوية لم ترَ النور. وتواصلت الحرب الى ان جاء اتفاق الطائف ليثّبت عروبة لبنان، هوية وانتماء، في مقدمة الدستور المعدل في 1990.

أطلّت ايران الاسلامية باندفاع المنتصر لتملأ الفراغ في ساحة الحروب المشتعلة في لبنان. ولم تتأخر ايران في بسط نفوذها في لبنان وفي المحيط الاقليمي في ظل ظروف مؤاتية. حملت الثورة الاسلامية طروحات العروبة وذهبت بها الى أبعد مدى في مواجهة أعداء الامة، عربية كانت أم اسلامية: الغرب، وخصوصا "شيطانه الاكبر" أميركا، والاحتلال في فلسطين.

تحولات كبرى شهدتها المنطقة، دولا ومجتمعات، في العقود الاخيرة. وتبعثرت الفصول بين ربيع عربي موعود وخريف بلا حدود. وبين التعريب والاسلمة ضاعت مقاييس الحكام والمحكومين. هكذا جاء الاشتباك السعودي - الايراني من خارج السياق التاريخي للعروبة. فبينما ايران فارسية، قبل ان تكون اسلامية، فإن اليمن عربية، مثلما هي السعودية وقطر والبحرين وسوريا والعراق. أما الصراع على السلطة فمسألة أخرى، ومعه تسقط الاقنعة وتتبدّد الذرائع. والسؤال القديم - الجديد، من يمنح صك البراءة لعروبة اليوم، ولِمَن الكلمة الفصل؟ في عالم التجارة يستعان بـ ISO، وفي صراع الهويات والسلطة تضيع المرجعيات والمعايير.

في طبعتها الحالية، العروبة وصك براءتها مرتبطان بالاشتباك بين السعودية وايران، لا الوحدة ولا فلسطين ولا الاستعمار. والى ان يتضح مسار المواجهة في حركة التموضعات المتواصلة، ساحات المنطقة مفتوحة ولبنان دفع أثماناً باهظة نيابة عن العرب وباسم صراعات الهوية. أما النأي بالنفس فيكون بابعاد لبنان عن محاور الاشتباك وليس الانتقال من حقل ألغام الى آخر.