Site Visitors Till Now
521067

من بلفور إلى ترامب إنهاء الاحتلال الفلسطيني لاسرائيل!
من بلفور إلى ترامب إنهاء الاحتلال الفلسطيني لاسرائيل! 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


من بلفور إلى ترامب إنهاء الاحتلال الفلسطيني لاسرائيل!

النائب د.فريد الخازن

14 كانون الأول 2017

وعد بلفور في 2 تشرين الثاني 1917 لم ينتج منه قيام دولة يهودية في فلسطين إلّا بعد ثلاثة عقود وبعد الحرب العالمية الثانية والتحولات الكبرى التي اطلقتها. في 1917 كان العالم في أتون حرب كونية، فلو خسرت بريطانيا الحرب لما كان لوعد بلفور اثر يذكر. وقبل قرن، لم يكن أكثر من نصف الشعب الفلسطيني لاجئين ونازحين، وكان عدد سكان فلسطين من العرب نحو 700 الف واليهود نحو 60 ألفاً. وعد بلفور جاء قبل قيام الدول والتحولات في منظومة القوانين والاعراف التي نشأت في العقود الاخيرة، بينما قرار ترامب يأتي بعد حروب طاحنة بين العرب واسرائيل وتهويد متواصل منذ نصف قرن. أما حرص ترامب على الفلسطينيين فيوازي الحرص الذي تضمنه وعد بلفور "بألا ينتقص من الحقوق المدنية والدينية" لغير اليهود. 

الرئيس الاميركي دونالد ترامب ينفذ ولا يَعِد. أسلافه وعدوا ولم يصلوا الى حد اتخاذ قرار مخالف للقرارات الدولية ومناقض للاجماع الدولي لحلّ الدولتين. فبمعزل عن الجهل أو التجاهل، لا يمكن فهم قرار ترامب الا في حالة واحدة: اعتباره ان الفلسطينيين يحتلون القدس، أي ان المطلوب تحرير اسرائيل من الاحتلال الفلسطيني. قرار ترامب لا يمكن وضعه في سياق المنطق أو القانون أو الاخلاق. انه نتاج حالات أربع: تهور وانتهازية، غطرسة وازدراء تجاه العرب، حلفاء واعداء. فبعدما نال ترامب ما أراد من صفقات تجارية سخية مع بعض دول الخليج، وبعد الربيع العربي وخريفه، ومع هوس السلطة والتسلط، لم يعد يُحسب للعرب حساب، فضرب ضربته القاضية.

فلولا موقف بعض الحكماء في الادارة الاميركية لكان ترامب زج العالم في حرب نووية مع كوريا الشمالية، وبالتالي فان قراره حول القدس لا يقدم أو يؤخر في حساباته. فمع استحالة استعمال السلاح النووي في كوريا ومع صعوبة اعلان الحرب على ايران، لم يبق لترامب سوى القرار الأقل كلفة بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، واعتباره انجازاً تاريخياً في سياسته الخارجية. المرة الاخيرة التي نوقشت فيها مسائل الحل النهائي، ومنها القدس، في اطار شامل كانت في اجتماعات طابا في 2000 بحضور كل المعنيين. وطُرح آنذاك مشروع اعتماد القدس عاصمة لكل من الدولتين. وهذا كان أقصى ما تم التوصل اليه نظرياً في سياق اتفاق أوسلو. وللتذكير، في مشروع تقسيم فلسطين بإشراف الامم المتحدة في 1947، تم اعتماد القدس منطقة دولية محايدة.

بفعلته، يفتح الرئيس الاميركي أبواب الجحيم، وهو يدّعي العمل من أجل السلام بفرض حل يشطب القدس من المعادلة. انه الدعم الاميركي المطلق لأقصى التطرف الاسرائيلي، من جابوتنسكي الى نتنياهو، والتزام رسمي أن لا حل إلّا بشروط الالغاء القسري لتسوية الحد الادنى. أميركا ترامب في صدام حضارات وقيم مع حلفائها الاوروبيين ومع الدول المعنية بالأزمات الكبرى في العالم. نفوذ الدولة العظمى يوظفه ترامب بلا أي اعتبار لما راكمته الحضارة الانسانية منذ قرن الى اليوم ولما راكمته المفاوضات العربية - الاسرائيلية، من مبادرة السلام العربية الى الرباعية الدولية وسواهما. باختصار، الرسالة واضحة: أميركا دولة عظمى وبإمكانها ان تأخذ أي قرار، بمعزل عن الشرعية الدولية التي كان للولايات المتحدة الدور الاساس في ارساء مرتكزاتها.

قرار ترامب أسوأ ما يمكن ان تقوم به دولة عظمى من أجل دولة محتلة وبلا مقابل. العلاقات بين الدول تحكمها المصالح. أما الاستثناء الوحيد في العالم فيخص العلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل. فلا مصالح حيوية لاميركا في اسرائيل بالمعنى المتعارف عليه في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية وسواها، بل العكس هو الصحيح لجهة اعتماد اسرائيل على الولايات المتحدة للحماية والدعم في كل المجالات. اذ مَن الأهم بين دول المنطقة في حسابات موازين القوى والمصالح: اسرائيل أم دول الخليج وتركيا ومصر، وهي دول حليفة، وفي بعضها قواعد عسكرية اميركية منذ سنوات؟

فاذا لم تكن ثمة كلفة لقرار ترامب لردعه، ستبقى القدس عاصمة الدولة اليهودية وان لم تعترف بها أي دولة. بين وعد بلفور واعلان دولة اسرائيل خمسون عاماً، وبين احتلال القدس الشرقية في 1967 وقرار ترامب نصف قرن ايضا. ولن يكون صعباً القضاء على امكان حل الدولتين اذا مرّ قرار ترامب مرور الكرام.