Site Visitors Till Now
521097

الدولة ودورها حلّ الازمات بدل إدارتها
الدولة ودورها حلّ الازمات بدل إدارتها 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


الدولة ودورها حلّ الازمات بدل إدارتها

النائب د.فريد الخازن

21 كانون الأول 2017

مع الازمة الاخيرة في مراحلها الثلاث - استقالة الرئيس الحريري، التريث ومن ثم العودة عنها - استعادت الدولة حضورها. فللمرة الاولى منذ اندلاع الحرب في منتصف السبعينات، تمت تسوية ازمة حكم في رعاية الدولة، بمبادرة هادفة من رئيس الجمهورية وبالتنسيق الوثيق مع رئيس مجلس النواب. وجاء الدعم الخارجي، الفرنسي والمصري تحديداً، ليبني على التوافق الداخلي، المحصّن بدعم القوى السياسية المعنية. وللمرة الاولى منذ زمن بعيد، تم احتواء ازمة بمردود ايجابي، "فلا غالب ولا مغلوب". صلابة، حكمة واتزان، سمات رعت مسار الحل باقل كلفة ممكنة. التسوية في نسختها الجديدة عكست ارادة داخلية لعدم تحويل لبنان ساحة لصراعات الآخرين، خلافاً لما كان يحصل في الماضي عندما كان يتقاتل أطراف الخارج في لبنان ويتصالحون على حسابه. قواعد الاشتباك والتلاقي اختلفت هذه المرة. 

وعلى رغم ان لبنان لم يتعاف من تداعيات حروب الماضي والوصاية والارتباطات المختلفة، فان الازمة الاخيرة ساهمت في تثبيت موقع الدولة، اذ بات دورها حاجة للاطراف جميعاً. فإلى وظائف الدولة المعهودة، منها الشرعية والسلطة والمكانة وحتى الوجاهة، بات للدولة وظيفة أخرى هي حل الازمات وليس ادارتها أو التأقلم مع تعطيل عملها. ولم تعد الدولة جائزة ترضية او اضافة شكلية، بل أصبحت سندا للقوي والضعيف، في السياسة والامن والاقتصاد، في الداخل ومع الخارج. معادلة انقاذ من أجل المصلحة الوطنية المشتركة، بعدما كان للدولة ما يكفي من تجارب فاشلة ومكلفة في مراحل سابقة.

مصطلح النأي بالنفس لم يرد في خطاب القسم الرئاسي ولا في البيان الوزاري. الا انه فرض نفسه حالة جديدة في الواقع اللبناني المتداخل مع محاور الاشتباك الاقليمي. وهذا الامر قديم العهد في لبنان، الا ان الجديد فيه محاولة ايجاد المسافة المطلوبة في ضوء ما استجد من تحولات غير مألوفة في المنطقة، وتيرة ومضموناً. النأي بالنفس في طبعته الحالية حالة جديدة تعكس ارادة القوى السياسية اعتماد الفصل بين الداخل والخارج، أي في مجال العمل السياسي الداخلي وفي العلاقة مع المحيط الاقليمي، وبالتالي فهو غير مجرّب ولا يخضع لقواعد محددة. مسار وسطي ممكن في الداخل، الا انه غير خاضع لضوابط من الخارج.

ربط نزاع في الداخل لا بد منه، غير ان النأي بالنفس يكون في الاتجاهين ليصبح فاعلاً. أما النأي انتقائياً فهو بمثابة الانتقال من محور الى آخر ومن اشتباك الى آخر. محاولات ابعاد لبنان عن المحاور الاقليمية ليست جديدة، فهي انطلقت مع الاستقلال على قاعدة "اللاءين"، ولم تكن الظروف متاحة لاستكمالها في ظل التحولات الاقليمية ومع احتدام المحاور المتداخلة مع الحرب الباردة. أما الحياد فمسألة أخرى مختلفة تماماً، وشروطها السياسية والقانونية غير مؤمنة لا في الداخل ولا مع الخارج. الحياد السويسري، مثلا، تم منذ نحو قرنين بتوافق داخلي والتزام خارجي، ومرّ بتحديات صعبة وصمد، منها حربان عالميتان كانت ساحتهما أوروبا.

البيئة الداخلية الحاضنة أعطت الدعم الدولي مساحة لحركة مثمرة، لم تكن معهودة من قبل. أزمة الاستقالة سرعان ما تدولت برضى أميركي ودعم أوروبي لمصلحة تعزيز دور الدولة الناظم للانتظام العام. هكذا جاء التوافق الداخلي والدولي لتحصين الاستقرار وعدم تحويل البلاد ساحة لصراعات عبثية. لاسباب متنوعة، التقت مصالح الداخل والخارج دعماً لحلّ النزاع وللنهج الذي اتبع لتسوية تراعي خصوصيات الواقع اللبناني وتعقيداته. تسوية الربح المتبادل (win-win) لا للاطراف المعنيين فحسب بل أيضاً للدولة.

في المعادلة الداخلية، الرئاسة الاولى، بشخص الرئيس عون ولجهة التزامه ثوابت وطنية ومبدئية، هي الاقل تأثراً بالخارج والاكثر انفتاحاً في الداخل، وعبرها يتأمن الحد المطلوب من القرار الذاتي، بينما للخارج حركته وأولوياته ومصالحه المتباينة. هذا التوازن الدقيق يعكس نمطاً جديداً في ادارة شؤؤن الحكم في لبنان. ففي زمن التطرف والتهور في المحيط الاقليمي، جاء الحل لازمة تتداخل فيها مصالح الدول بامتداداتها الداخلية المعقدة علامة فارقة، علّها تؤسس لممارسة مجدية ودائمة.