Site Visitors Till Now
403774

اميركا ترامب والمصالح العربية
اميركا ترامب والمصالح العربية 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


اميركا ترامب والمصالح العربية

النائب د.فريد الخازن

11 كانون الثاني 2018

قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب بشأن القدس ليس فقط انهاء لحل الدولتين بل لمنظومة القيم والاعراف التي رعت السياسة الدولية منذ طروحات الرئيس الاميركي ويلسون بعد الحرب العالمية الاولى ولاحقاً بعد الحرب العالمية الثانية مع رؤساء أميركا، من روزفلت وترومان الى أوباما. سواء جاء قرار ترامب لاسباب داخلية أو التزاماً لوعود انتخابية، فانه يربط حل القضية الفلسطينية بالاولويات المحلية للناخب الاميركي التي قد تُنتج رئيساً من خارج سياق التوجهات الدولية السائدة منذ عقود.  

بات واضحاً ان الرئيس الاميركي يعتمد سياسة تتعارض مع القوانين والسلوكيات والمعايير التي راكمتها العلاقات الدولية منذ ما يزيد على نصف قرن، في التجارة المعولمة وحماية البيئة والثقافة المنفتحة والقوانين الدولية. في مفهوم ترامب، القوي يتحكّم بالضعيف وما على الاخير سوى الرضوخ للامر الواقع وإلّا تأتي العقوبات أو يُستحضر التهديد والوعيد. بكلام آخر، شريعة الغاب تسود لأن ترامب انتخب رئيساً للدولة العظمى. وحتى هذا الواقع يصبح انتقائياً، فترامب لا يستطيع ان يخوض حرباً نووية مع كوريا الشمالية وتحمّل تبعاتها الكارثية، وهو غير قادر على اعلان الحرب على ايران أو التصدي لروسيا في سوريا والقرم، أو حتى بناء الجدار الفاصل على الحدود مع المكسيك. الا انه يستقوي على الضعيف حيث أمكن، فيعترف بالقدس عاصمة لدولة تحتل الارض وتشرد شعبها. ولهذه السياسة تبرير باسم التسليم بالامر الواقع الذي ينطبق حصراً على فلسطين على قاعدة ان القرار غير مكلف بالنسبة الى واشنطن. الواقع الذي أوجدته اسرائيل في القدس منذ 1967 تُبنى عليه القرارات، بينما هجرة عمال المكسيك الى أميركا "واقع" يجب التصدي له بأي وسيلة. مزيج من الانتقائية والانتهازية لا مثيل له في زمن الأمم المتحدة وحقوق الانسان.

والسؤال هنا، ما الفرق بين سلوك الرئيس الاميركي في السياسة الخارجية وسلوك حاكم كوريا الشمالية، مع التشديد طبعاً على التعارض الكبير في النظام السياسي بين الدولتين؟ الشرعية الدولية لا مكان لها في سياسة ترامب، كما في سياسة كوريا الشمالية. فبإسم "أميركا أولاً" كل شيء مبرر ومسموح، مثلما هي حال كوريا الشمالية (أولاً) في سياسة كيم جونغ - أون. ويتشارك رئيس أميركا وحاكم كوريا الشمالية في الشكل: في السلوك الصبياني والشعبوية وفي التصفيق للذات في الاحتفالات العامة. لكن كوريا الشمالية دولة معزولة، بينما أميركا في صدارة العالم الحر منذ الحرب العالمية الثانية.

بفضل ترامب اكتشف العالم بعض الدول الاعضاء في الامم المتحدة، المؤيدة للقرار الاميركي: بالاو وناورو وجزر مارشال وميكرونيزيا. وعلى رغم ان غالبية ساحقة من الدول المشاركة في الجلسة الطارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة صوتت ضد القرار الاميركي أو امتنعت، فثمة من يأخذ الرئيس الاميركي على محمل الجدّ، في العالم العربي تحديداً. اسرائيل تسعى وراء مصالحها ولا تخفي غاياتها التوسعية، وآخرها تثبيت القدس عاصمة لدولة نشأت باعتراف الامم المتحدة في 1948. وها هي المنظمة الدولية نفسها، بعدما ارتفع عدد أعضائها مرات ثلاثاً منذ التأسيس، ترفض الاعتراف بالقرار الاميركي.

الانحياز الاميركي الكامل الى اسرائيل لم يبدأ مع ترامب، إلّا ان الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل ينسف تسوية الحد الادنى وامكان ترسيم حدود الدولتين، فضلا عن تسليم واشنطن بالموقف الاسرائيلي من المسائل الخلافية الاخرى، وأبرزها حق العودة. واذا تركنا جانباً رمزية القدس التاريخية والدينية والاعتبارات المبدئية والاخلاقية، فماذا يستفيد العرب من استحالة ايجاد الحلول للنزاع العربي - الاسرائيلي، وكيف يمكن احتواء ايران، مثلاً، أو وضع حد للنزاعات الاقليمية والخلافات بين الدول العربية في ظل الاحتلال الكامل للقدس بعد تهويدها؟ أزمة القدس المفتعلة يصعب توظيفها في معادلات موازين القوى الاقليمية، وهي لن تحمي مصالح العرب في الصراعات داخل الدول أو في ما بينها. أما أميركا واسرائيل فلكل منهما مصالح وغايات وليس للعرب فيها أي حساب، حلفاء كانوا أم أعداء.