Site Visitors Till Now
506857

من النكسة إلى الفرصة!
من النكسة إلى الفرصة! 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


من النكسة إلى الفرصة!

النائب د.فريد الخازن

18 كانون الثاني 2018

على رغم التحدي الصارخ جراء قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي كرّس الاحتلال الاسرائيلي الكامل للقدس، ثمة فرصة قد تكون متاحة لاستعادة المبادرة في الاتجاه المعاكس. فعندما تكون الخسارة حتمية، لا بد ان تكون المواجهة حتمية أيضاً. والفرصة هنا تتجاوز القضية الفلسطينية، شعارات مستهلكة وتنظيراً، لتصل الى دائرة المصالح الموضوعية. فماذا يستفيد العرب، دولاً وشعوباً، من استحالة ايجاد الحل العادل للنزاع العربي - الاسرائيلي؟ وهل يمكن توظيف الفرض الاميركي - الاسرائيلي في لعبة السلطة داخل الدول أو في ما بينها؟ القضاء على حل الدولتين له رابح واحد، اسرائيل، والخاسرون كثر على امتداد العالم العربي.  

معركة اسرائيل ساحتها فلسطين منذ نحو قرن، إلّا أن أهدافها وتداعياتها لا حدود لها، فهي تطال المنطقة كلها وموازين القوى الاقليمية. صحيح ان العرب منقسمون، الا ان التعامل معهم من المنظار الاسرائيلي يرتبط بمآل المواجهة في فلسطين. جاء الربيع العربي وذهب تاركاً وراءه العالم العربي أشلاء. استفادت اسرائيل من حروب الدين والدنيا في السنوات الاخيرة بعدما دخلت المنطقة دوامة نزاعات لم تنتهِ، والكلام المكرر عن المؤامرة لم يعد ينفع. والسؤال هنا، كيف يمكن انهاء النزاع في اليمن وسوريا وليبيا والقطيعة بين السعودية وقطر، أو حتى مواجهة ايران، اذا استطاعت اسرائيل تفكيك ركائز حل الدولتين. فالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل يشكل انطلاقة جديدة للاحتلال بزخم المنتصر لوضع تسوية الحد الادنى على سكة الاستحالة، فيتعزّز نفوذ اسرائيل تجاه الاطراف العرب جميعاً، بمعزل عن مواقعهم والحسابات.

أما الرهان على أي شكل من أشكال التعاون أو التنسيق مع اسرائيل، لأي سبب كان، ففيه الكثير من السذاجة، وإن أحتمى أصحابه بالمواقف الشاجبة والتعاطف الموسمي. فما من دولة محصنة تجاه الاهتزازات الداخلية، بمعزل عن مصدرها وعن طبيعة نظامها السياسي، في المنطقة أو خارجها. وحدها اسرائيل بين دول المنطقة تجمعها قضية واحدة، تحصنها في مواجهة الغير، وهي مدعومة من مراكز السلطة الأكثر نفوذاً في الولايات المتحدة. وهذا يعني ان محاولة أي طرف عربي توظيف "الواقع" الاسرائيلي في المعادلات الاقليمية يرتد سلباً على اصحابه. "المقايضة" مع اسرائيل في أي مسألة مردودها سلبي على الطرف الآخر، والامثلة عديدة ماضياً وحاضراً. فليس لاسرائيل اي شيء تخسره ما دامت المبادرة في يدها، وأي خطوة باتجاه التعاون أو الانفتاح في السر والعلن تستغلّه اسرائيل لتحصين الاحتلال وتعميق التفتّت العربي، وليس لتسوية النزاع على قاعدة الارض مقابل السلام التي شكلت المدماك الاول للحل منذ 1967.

بعد حرب 1948 نشأت دولة اسرائيل بدعم دولي. أما حرب 1956 فانتهت بفشل العدوان الثلاثي على مصر وبمعادلة فرضتها واشنطن على اسرائيل وحليفيها بريطانيا وفرنسا. وجاءت حرب 1967 بهزيمة مدوية، تبعتها حرب 1973 ونتج منها معاهدة السلام المصرية - الاسرائيلية، مثلما انتجت حروب الخليج المفاوضات العربية - الاسرائيلية في التسعينات وأفضت الى اتفاق أوسلو. بكلام آخر، مع كل خطوة لمصلحة المشروع الصهيوني المتواصل، انكسار للعرب اجمعين، وإن غير متحدين. هزائم العرب غالباً ما تأتي "بالجملة" والانجازات "بالمفرّق".

الفرصة متاحة ولكن بشرط التلازم مع العمل الجدي والمثابرة والارادة الصادقة. والتصدي يكون بخطوت عملية منظمة، وهو ليس محصوراً بالعمل العسكري أو بالاعتراض الشعبي، على أهميتهما القصوى، بل يتكامل مع العمل السياسي الهادف، وخصوصاً مع التوافق الدولي الداعم لحل الدولتين، ولا سيما منه الاوروبي. وهي أيضاً فرصة للمّ الشمل، الفلسطيني والعربي، بالحد الادنى من الاحراج والتنازلات. ترابط ادوات الضغط السياسي والعسكري في اطار عمل عربي مشترك يمكن ان يستعيد الموقع والدور، فضلاً عن المردود الايجابي على الاطراف جميعاً، فلكل مسار جدواه ومفاعيله في مواجهة اسرائيل واميركا ترامب. نكسة 1967 جمعت العرب، علّ ان تكون خسارة القدس فرصة لجمعهم لا من أجل فلسطين فحسب بل أيضاً من اجل مصالحهم الذاتية.