Site Visitors Till Now
506806

تصفية حل الدولتين
تصفية حل الدولتين 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


تصفية حل الدولتين

النائب د.فريد الخازن

25 كانون الثاني 2018

في النزاع العربي - الاسرائيلي منذ نحو قرن الى اليوم، استطاعت اسرائيل ان تحقق غاياتها في سياق المشروع الصهيوني عبر اقتناص الفرص في لحظات تاريخية مؤاتية. البداية مع "وعد بلفور" في 1917 خلال الحرب العالمية الاولى جراء مطالبات بعض الصهاينة البريطانيين النافذين، أبرزهم حاييم وايزمان، ومعارضة آخرين من يهود بريطانيا وسواها. محطة مفصلية اخرى جاءت بعد الحرب العالمية الثانية اثر التعاطف الدولي مع اليهود بسبب القتل الجماعي الذي مارسته ألمانيا النازية والتسليم بأن حل "المسألة اليهودية" في الغرب يكون باقامة دولة يهودية في فلسطين مع مراعاة شكلية لتداعيات هذا الامر، مثلما جاء في القرار الاممي لتقسيم فلسطين في 1947. المحطة الثالثة والاكثر ارتباطا بالمرحلة الراهنة جاءت بعد حرب 1967 جراء الاحتلال الاسرائيلي لكامل فلسطين، اضافة الى سيناء والجولان. وسرعان ما اعتمدت اسرائيل سياسة "خلق الوقائع" على الارض بالاستيطان والتهويد واجراءات التضييق والفصل العنصري. ومع تبنّي الرئيس الاميركي دونالد ترامب الموقف الاسرائيلي بشأن القدس، ينطلق مسار التصفية العملية لحل الدولتين. 

في 1948 نشأت الدولة وفي 1967 أثبتت اسرائيل قدراتها العسكرية واستغلت فائض القوة لتمتين العلاقة مع أميركا ورفعها من الدعم باسم الالتزام المعنوي (moral asset) الى علاقة استراتيجية (strategic asset)، فتكون الحليف الموثوق به والمستحق دعم واشنطن. اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل محطة مفصلية جديدة، لا بسبب أهمية القدس التاريخية والدينية فحسب، بل لانه يقضي على تسوية حل الدولتين. فعندما تصبح القدس مسألة غير مطروحة للتفاوض وبدعم اميركي، ففي ذلك ضربة استباقية قاضية لحق العودة ولفرض أمر واقع اسرائيلي في ترسيم الحدود، فضلاً عن المسائل الخلافية الاخرى. المقايضة الافتراضية بين القدس وحق العودة لم تغب عن طروحات المتفاوضين في العام 2000، وإن بقيت غير معلنة. أما الآن، فالمقايضة النظرية لم تعد قائمة. المشروع الاسرائيلي في مرحلة ما بعد القدس محوره كيان اداري أو حكم ذاتي في الضفة بالتنسيق مع الاردن ومع مصر في ما يخص غزة.

غالباً ما راهنت اسرائيل على اخطاء الغير وعثراتهم، ولم تصل الى مبتغاها بقوتها الذاتية فقط وكانت جاهزة للاستفادة من الظروف المؤاتية. عندما انطلقت الحركة الصهيونية، عارضها معظم اليهود، وعندما أُعلنت الدولة في 1948 أيدها معظمهم، وخصوصا في أميركا حيث النفوذ الاكبر والاكثر فاعلية، بمعزل عن الحزب الحاكم في اسرائيل. فمنذ منتصف تسعينات القرن الماضي، وخصوصا بعد اغتيال رئيس الوزراء اسحق رابين، عراب أوسلو، برزت مقولة غياب الشريك (partner) الفلسطيني. ومن هذه الخلفية، جاء الانسحاب الاسرائيلي من غزة بعد اغتيال قادة "حماس" وبناء الجدار الفاصل. التوجه السائد في اسرائيل اليوم يعكس الانتقال من طرح حل الدولتين بشروط اسرائيل الى السلام مقابل أرض بلا دولة وبشروط لا يمكن ان يقبل بها أي طرف فلسطيني، أياً كانت التبريرات. وبعد قرار ترامب لم تعد واشنطن في موقع رعاية أي حل وهي ملتصقة بالموقف الاسرائيلي الاكثر تطرفا.

في المرحلة الراهنة للنزاع العربي- الاسرائيلي مسالك ثلاثة معطلة، توظفها اسرائيل لتحصين الاحتلال. المسلك الدولي، الاميركي تحديدا، اسقطه قرار ترامب. والمسلك الاقليمي قضت عليه نزاعات المنطقة، من حرب العراق الى "الربيع العربي". والمسلك المحلي ضحية التشرذم الفلسطيني. في الماضي كانت اسرائيل العدو المشترك، الجامع والملائم للعرب، وشكلت القضية الفلسطينية البوصلة الناظمة على رغم التجاذبات العربية. لم تعد ثمة بوصلة تجمع اليوم، وان قسرا. فبالنسبة الى البعض، ايران حلت مكان اسرائيل عدوا مشتركا وكذلك الاكراد، بينما الجدل قائم في بعض الاوساط حول مدى الانفتاح والتنسيق مع اسرائيل. فاذا كانت للدول المعنية بالنزاع العربي- الاسرائيلي مصالح وغايات، وهي طبعاً متضاربة، فماذا يريد العرب لا في فلسطين فحسب بل في أي من المحاور الاقليمية المدوّلة، ومن يحدد الاهداف والمسار وفي أي اتجاه؟ تلك هي المسألة.