Site Visitors Till Now
519996

من القضية إلى القضايا
من القضية إلى القضايا 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


من القضية إلى القضايا

الدكتور فريد الخازن

1 آذار 2018

للتصعيد العسكري الأخير بين اسرائيل وسوريا دلالات لافتة، خصوصاً انه يأتي في مرحلة ما بعد الاعتراف الاميركي بالقدس عاصمة لاسرائيل، وهي تختلف عما سبقها من محطات مفصلية في النزاع العربي- الاسرائيلي منذ نحو قرن الى اليوم. لا شك في ان اسرائيل جاهزة للبناء على الواقع المستجد واستغلاله الى أقصى حد. هكذا فعلت بعد نشوء الدولة في 1948، عندما طورت قدرات نووية بدعم فرنسي في الخمسينات، ولاحقاً بعد حرب 1967 عندما اعتمدت سياسة "خلق الوقائع" في الاراضي التي احتلتها، فبنت المستوطنات وصادرت الارض وهجّرت أهلها. أما حرب 1973، فأنتجت معاهدة السلام المصرية - الاسرائيلية، كما ان المفاوضات العربية - الاسرائيلية في التسعينات أدت الى اتفاق أوسلو ومعاهدة سلام بين الاردن واسرائيل. وفي السنوات الاخيرة، صدق من قال: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فمصائب العرب أتت بالجملة، بعد حرب العراق في 2003، وقبلها حروب الخليج، فضلا عن النزاعات المتواصلة في سوريا وليبيا واليمن. 

في المرحلة الراهنة، فائض القوة تستخدمه اسرائيل لغايات لم تتّضح مراميها، وفي ظروف مؤاتية جراء الاوضاع العربية المأزومة أو لجهة الدعم الاميركي الذي تجاوز المعهود ليصل الى التبني الكامل للسردية الصهيونية الأكثر تشدداً والتي عبّر عنها نائب الرئيس الاميركي مايك بنس في زيارته الاخيرة لاسرائيل. مرحلة ما بعد القدس عنوانها اسرائيلياً قطع الطريق على حل الدولتين، وساحتها سوريا وربما لبنان، واطارها الاوسع التصدي للارهاب ومصدره ايران، وهي أهداف تتقاطع مع السياسة الاميركية وتوجهات بعض دول الخليج. فلا حاجة الى ضربات عسكرية اسرائيلية في ايران، فمصالح الاخيرة في متناول اليد في سوريا والضوابط ضائعة بين تهور واشنطن وتطرف تل أبيب. بعد كمب ديفيد جاء الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982، وبعد أوسلو قامت السلطة الوطنية وتعطلت، وبعد القدس لا بد من "صفقة قرن" على الطريقة الاسرائيلية.  

أما فلسطين، فمتروكة لامرها. فمن القضية العربية الجامعة الى القضايا الخلافية، ومن المركز الى الهامش. في مسارها التاريخي، ارتبطت القضية الفلسطينية بالعروبة، وكلاهما في تراجع غير مسبوق، فلا قضية عربية تجمع، والعروبة فقدت زخمها وغاياتها منذ انطلاقتها بعد انهيار السلطنة العثمانية ولاحقاً في زمن الاستقلال والصراع مع اسرائيل.

الاحتلال اليوم متعدد الجانب والاتجاه، ومعه المواجهة المشتتة. في الماضي، جاءت معركة الاستقلال في وجه الانتداب والتحرير من الاحتلال الاسرائيلي. أما اليوم، فالعدو لم يعد مشتركاً، ولكل محور عدوه. لدول الخليج عدو، ولسوريا والعراق عدو آخر ولكل من اليمن وليبيا اعداء الداخل والخارج. لم تعد الهزيمة واحدة، كما الانتصار، وساحة المعركة ساحات. فعندما يصل الشرخ الى حد القطيعة بين دول الخليج، وهي الاكثر تجانسا، يكون التبدل جذريا وحسابات الربح والخسارة خارجة عن المألوف.

تحولات غير مسبوقة في حجمها ووتيرتها، من جيل الى آخر. فمن الهاشميين الى جمال عبد الناصر وحزب البعث، مروراً بمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات بعد حرب 1967، تبدلت الأهداف والأولويات. فما بين السلطة الوطنية بقيادة "فتح" و"حماس" من انقسامات يختلف عما كان من خلافات بين الفصائل الفلسطينية في مراحل سابقة، خارج فلسطين، حيث كان الهدف المشترك يجمع. العالم العربي تبدل وكذلك المعادلات الاقليمية، بما فيها دور ايران وتركيا. والدولة العظمى ليست فقط حليفة اسرائيل بل تتبنى الطرح الصهيوني الأكثر تطرفاً. ومن الثورة والثوار الى الثروة ورجال الاعمال. ومن الدين الى المذاهب المعسكرة. انه الواقع الانسب لاسرائيل منذ قيام الدولة في 1948 والاسوأ بالنسبة الى العرب، منقسمين كانوا أم مجتمعين. ولكل منهم قضية مصيرية، لا تقل شأناً عن الأخرى في نظر أصحابها.