Site Visitors Till Now
484772

التوطين لن يأتي بقرار بل بحكم الأمر الواقع
التوطين لن يأتي بقرار بل بحكم الأمر الواقع 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


التوطين لن يأتي بقرار بل بحكم الأمر الواقع

النائب د.فريد الخازن

29 آذار 2018

هاجس التوطين يلازم لبنان واللبنانيين منذ عقود، الى حدّ التأكيد على رفضه في مقدمة الدستور. ولهذا الاصرار أسباب ليست من نسج الخيال بل هي نتاج الواقع السياسي ووقائع الجغرافيا والتاريخ. التوطين مرتبط بمسار النزاع العربي - الاسرائيلي، وتحديداً لجهة ايجاد الحل العادل للقضية الفلسطينية، وفي صلبها حق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة وقابلة للحياة، اسوة بحقوق الشعوب. 

إلّا ان المقلق ما استجد أخيراً جراء قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، أي عملياً قطع الطريق على حلّ الدولتين وبالتالي انهاء حق عودة اللاجئين الى ديارهم، الى فلسطين التي احتلتها اسرائيل في 1948 وهجّرت نحو 750 ألفاً من أهلها فباتوا لاجئين، او الى الدولة الفلسطينية الموعودة. فالمسألة تتجاوز أعداد اللاجئين المقيمين في لبنان او في أي بلد آخر، لتشمل اعداد اللاجئين المسجلين في "الاونروا" وفي الدول المضيفة، ومنها لبنان. وهذا يعني حق اللاجئين في اكتساب الجنسية واخراجهم من حالة stateless وتعويضهم، بموجب القرار 194 الصادر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 1948 والذي يدعو الى عودة اللاجئين الى أرضهم أو تعويض من لا يرغب في العودة. ففي لبنان عدد اللاجئين المسجلين في "الأونروا" وفي سجلات وزارة الداخلية يتجاوز 500 ألف، وهو العدد المعوّل عليه في ما يخص حق العودة وليس حصراً اللاجئين المقيمين في المخيمات أو خارجها.

في المرحلة الراهنة، المصطلح المفتاح بالنسبة الى اللاجئين، وفي واشنطن تحديداً، هو الأمر الواقع، الذي استند اليه الرئيس الاميركي لتبرير قراره في شأن القدس. وهو مطلب اسرائيلي مزمن للقضاء على حل الدولتين، ويأتي في سياق سياسة "خلق الوقائع" التي اعتمدتها اسرائيل منذ حرب 1967. كما ان المجتمع الدولي يسلّم ضمناً بـ"أمر واقع" صعوبة، بل استحالة تنفيذ القرار 194، وان كانت الامم المتحدة والدول الكبرى تعارض قرار ترامب في ما يخص القدس.

لن يُعلِن اي طرف دولي قراراً بالتوطين، الا ان التطورات على المستويين الاقليمي والدولي تسير في هذا الاتجاه. وليس في يد لبنان سوى الموقف الرافض، المحصّن بالدستور وبوحدة الموقف اللبناني المؤيد لحق العودة. وفي هذا الاطار جاء كلام وزير الخارجية جبران باسيل في اجتماع روما بدعوة من "الاونروا" وبالتنسيق مع الدول المانحة. فلا لبنان ولا وزير خارجيته يسعيان الى "تصفية" القضية الفلسطينية، انما هو الرد اللبناني المتاح على سياسة الامر الواقع التي تعتمدها واشنطن والمجتمع الدولي في مسألة حق العودة، تماشياً مع الموقف الاسرائيلي. وما القرار الاميركي إلغاء الدعم لـ"لاونروا" سوى تثبيت للمنحى السائد في اتجاه التوطين بحكم الامر الواقع. أما الرد الحازم على القرار الاميركي فيكون بمساهمة الدول العربية والاسلامية في تمويل "الاونروا" تأكيداً على حق عودة نحو خمسة ملايين لاجئ مسجلين في الوكالة في لبنان والاردن وسوريا وفلسطين.

اسرائيل اقتلعت الفلسطينيين من أرضهم وحولتهم لاجئين، وهي تسعى الى تحميل أي جهة أخرى مسؤولية مأساتهم، وخصوصاً لبنان، الأعلى صوتاً في رفض التوطين. وها هو المجتمع الدولي يتعامل مع لبنان في ما يخص النزوح السوري بالاسلوب عينه لابقاء النازحين في أراضيه كأمر واقع، الى ان ينتهي النزاع السوري فتكون العودة طوعية. وهذا يعني عملياً تحميل لبنان أعباء النزوح الاقتصادية والاجتماعية وسواها بحيث يصبح الحل مسؤولية لبنانية، بينما يبني ترامب جدار الفصل مع المكسيك لحماية مصالح الدولة العظمى وتتخذ دول الاتحاد الاوروبي الاجراءات لمنع دخول النازحين الى أراضيها. فلكل دولة الحق والتبرير لاتخاذ الاجراءات لحماية مصالحها الا في الحالة اللبنانية.

التوطين ليس مسألة نظرية ولا هو أوهام. فالاوضاع الاقليمية والدولية وموازين القوى مؤشرات واضحة في اتجاه تحصين الامر الواقع. فأي اجراء يخدم مصالح اسرائيل مبرّر ومقبول، وان كان على حساب الشعب الفلسطيني أو على حساب لبنان، دولة وشعباً. التوطين في لبنان مسألة مصيرية تمسّ بوحدة البلاد وتضع استقرارها على المحك، في منطقة متخمة بالنزاعات المتواصلة، وأخرى مرتقبة.