Site Visitors Till Now
484777

كلمة النائب فريد الياس الخازن - جلسة مناقشة الموازنة العامة
كلمة النائب فريد الياس الخازن - جلسة مناقشة الموازنة العامة 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


جلسة مناقشة الموازنة العامة

كلمة النائب فريد الياس الخازن

28-29 اذار، 2018

دولة الرئيس، الزملاء الكرام

انها ليست المرة الاولى التي تُتخذ فيها قرارات في لبنان تحت الضغط. صحيح ان هذا الامر يحصل عندنا وعند غيرنا، الا ان للضغط حصة وازنة في ديارنا، لآي سبب كان ومن أي مصدر أتى، في مخالفة الدستور واقرار القوانين، والامثلة عديدة. وها نحن اليوم نُقر موازنة جديدة تحت ضغط مؤتمر باريس المرتقب، ولتفادي الاسوأ.

في الشكل، الموازنة اقرّها مجلس الوزراء وسيقرُّها مجلس النواب. اما المضمون فمسألة اخرى. انحصر التقشف في انجاز الموازنة بوقت قياسي. تقشف بالوقت وليس بالانفاق. وبما ان الحاجة ام الاختراع، فالهندسات المالية في الموازنة تفي بالغرض المطلوب، حسابيا. مسكنّات لا تشفي، وقطرات ماء لا تروي. فلبنان يحتل مراتب عليا بين الدول في نسب الدين العام من الناتج المحلي. موازنة تكاد تكون مشابهة لموازنة العام المنصرم، وان تضمنت حوافز ضريبية وتشجيعا لتسوية المخالفات. اما الدين العام فقد يصل هذه السنة الى 150% الى الناتج المحلي، ولا حلول مرتقبة. النفط والغاز ثروات الاجيال القادمة في صناديق سيادية لا يمكن تجييرها لمعالجة اي خلل، ما دام مصدر الخلل قائما. وكما قال عالم الاقتصادي البريطاني J. M. Keynes، في المدى البعيد نكون كلنا اموات (In the long run, we’re all dead).

لم تأت الموازنة في سياق رؤية اقتصادية- مالية انقاذية. تزايد وتيرة العجز والدين العام والانفاق حقائق يُقرّ بها الجميع، ويتوقف المسار والقرار عند عتبة الاقرار، ونذهب الى باريس بعدما انجزنا "الفرض" (devoir) المطلوب. فالقروض، في حال اقرارها، تخضع لشروط ورقابة، وهي ترتّب اعباء اضافية على الخزينة لا لجهة الدين المؤجّل تسديده بقروض ميسّرة فحسب بل في ما يخص التمويل المطلوب من الدولة للاستملاكات لتنفيذ المشاريع، ومعظمها في البنى التحتية وشبكات الطرق الرئيسية.

هاجس الاصلاح لازم اقرار الموازنة، الا ان الاصلاح عملية مستدامة ولا بد ان تكون جذرية في الحالة الراهنة. هذا، وللاسف، لم يحصل. فالمطلوب حالة طوارئ اقتصادية- مالية، وليس اصلاحا موعودا واعلان نيات لتمرير مرحلة ضاغطة. افضل الممكن ليس بالضرورة افضل المطلوب، ما دام حجم الدولة في ارتفاع متواصل والتوظيف لا سقف له ولا ضوابط. وعلى رغم ان ثمة وعي مشترك للمخاطر المحدقة ومكامن الخلل، الا ان القرار المطلوب للمعالجة غير متوافر.

في القطاع العام نحو 25% من الايدي العاملة، والعجز نحو 10% من الناتج المحلي وخدمة الدين العام تقارب ثلث الموازنة والتهرّب الضريبي يقدرّه البعض بين 3 و 4 مليار دولار. دوامة لا تنتهي. وبما ان الايرادات والنفقات خطان متقابلان لا يلتقيان عندنا، فان المطلوب عمليا، ومن مجلس النواب تحديدا، وضع قانون للحد من نسبة العجز في الموازنة من الناتج المحلي (GDP) في اطار خطة لعدة سنوات، مثلما فعلت دول اخرى. وهذا الاجراء صمّام امان ومسؤولية تتحملها الدولة من اجل المصلحة الوطنية ومؤشر ثقة لنا وللغير.

والمطلوب ايضا اجراءات هيكلية لاصلاح الادارة العامة لرفع الانتاجية. وفي هذا السياق، اللامركزية الادارية الموعودة لا جدوى منها قبل اعتماد اللاحصرية والمكننة الكاملة في الادارة العامة. اما النفايات والكهرباء وزحمة السير حلقة مفرغة يصح فيها قول الشاعر: "داوني بالتي كانت هي الداء". أُقرت سلسلة الرتب والرواتب وما من احد راضٍ، حتى "القاضي مش راضي". تم تعديل الدوام الرسمي وهو الآن بحاجة الى دوام. اشارة الى ملف منسي وهام جدا. في التعليم العالي والجامعة اللبنانية فوضى عارمة، ولا بد من اعطائه الاهتمام المطلوب.

للذكرى والعِبرة. بين 1950 و 1974، سجّل النمو في لبنان معدلا بلغ 7%، وفائض الموازنة في 1974 بلغ نحو 52 مليون ليرة لبنانية وارتفع الانفاق التنموي ثلاث مرات والصادرات سجلت ارتفاعا بنحو 16% في مطلع السبعينات. وفي 1973 بلغ مجموع قروض المصارف اللبنانية الى دول وشركات، منها شركة Renault الفرنسية وايران والجزائر والهند حوالي 300 مليون ليرة لبنانية. هذا بايجاز ما اوردته مجلة Economist البريطانية في عدد خاص حول لبنان في 1974: "ان اقتصاد البلد سليم في اساسه، والشعب يتمتع بمستوى معيشي اعلى من مستوى المعيشة في معظم البلدان النامية، وهو ليس بالانجاز القليل الشأن في بلد لم يمر على نيله الاستقلال سوى ثلاثين عاما".

هذا التفكك يصيب الدولة، وكأن لبنان بنيان بطبقات غير متجانسة. طبقة اولى بمثابة الاساس: العيش المشترك، علة وجود لبنان، الدولة والمجتمع، بحاجة الى عناية دائمة. الطوائف اخذت مداها في كافة الاتجاهات على مر السنين. ولا معالجة ممكنة للطائفية او المذهبية بقرار. فالمدماك الاول لتجاوز الطائفية هو القانون، الجامع والمحايد، بوجه الزبائنية المحصّنة بالهدر والفساد. طبقة ثانية ركيزتها الدستور والقوانين. الدستور قائم وفي تنافس دائم مع الضرورات والتوافقات السياسية. وللقوانين مكانها، وان على حساب المكانة. طبقة ثالثة قوامها الادارة والقطاع العام. هنا المواجهة بين الدولة والناس في دوّامة مكلفة على حساب الدولة وبالتالي الناس.

طبقة رابعة تخص لبنان في محاور موازين القوى الاقليمية، وهو اضعف حلقاتها في حضرة الازمات المتواصلة، ولكل منها اهمية تفوق اهمية لبنان ودوره في الصراعات الاقليمية المدوّلة. في مراحل سابقة كان النزاع العربي- الاسرائيلي المحور الخارجي الاكثر تأثيرا في لبنان. اما اليوم فسوريا ساحة حروب لم تنته. استطاع لبنان ان يجتاز الاصعب فلم يتحول ساحة لحروب الآخرين لان ما من طرف لبناني يريد ذلك ولأن الساحات الاقليمية مفتوحة ومتاحة. الا ان الحماية ليست دائمة، ولبنان في موقع المتلّقي لارتدادات النزاعات الاقليمية الدائرة والمرتقبة.

طبقة اخرى تخص الاقتصاد. الوضع غير متماسك والارادة السياسية للتصدي الفعلي للازمات غير كافية. الدين العام، والقسم الاكبر منه داخلي، مصدر خطر فعلي على الدولة والمجتمع وعلى الجهات الدائنة. هذا واقع غير مسبوق في لبنان، مع تراجع المناعة الاقتصادية والمالية بعد ازمات عصفت بالبلاد في العقود الماضية واجراءات موسمية استُنفدت جدواها.

بين العام والخاص شراكة يجب ان تتجاوز الصفقات فتكون مجدية، لتصل الى سلوك مرتبط باداء الدولة والناس. كل شيء عام مباح في لبنان، وكأننا امام حالة انفصام بين الدولة والمجتمع. الدولة ومؤسساتها حاجة وطنية اليوم اكثر من اي وقت مضى، الا ان التعامل معها يفتقر الى الرقابة والمحاسبة والمسؤولية من الطرفين، العام والخاص.

ثمة تحديات اخرى، ماضيا وراهنا، لا بد من الاشارة اليها. عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، أي الى فلسطين، حق منحته الامم المتحدة في القرار الصادر عن الجمعية العامة في 1948. والمسألة ليست مرتبطة حصرا بأعداد اللاجئين المقيمين أو في لبنان في اي من الدول المضيفة، بل بأعداد اللاجئين المسجلين في "الاونروا" وفي سجلات وزارة الداخلية، وعددهم يفوق 500 ألف في لبنان، وهو العدد المعوّل عليه في ما يخص حق العودة.

بإسم الامر الواقع برّر الرئيس الاميركي دونالد ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لاسرائيل، وهو القرار الذي يقضي على حل الدولتين وبالتالي على حق العودة. وبإسم الامر الواقع يمكن فرض التوطين لاستحالة ايجاد الحل العادل للقضية الفلسطينية. لن يُعلِن اي طرف دولي قرارا بالتوطين، الا ان التطورات على المستويين الاقليمي والدولي تسير في هذا الاتجاه. وما القرار الاميركي بإلغاء الدعم "للاونروا" سوى تثبيت للمنحى السائد باتجاه التوطين بحكم الامر الواقع. اما الرد الحازم على القرار الاميركي فيكون بمساهمة الدول العربية والاسلامية بتمويل الاونروا صونا لحق العودة.

اسرائيل اقتلعت الفلسطينيين من ارضهم وحولتهم لاجئين، وهي تسعى الى تحميل مسؤولية مأساتهم الى اي جهة اخرى، وخصوصا لبنان، الاعلى صوتا في رفض التوطين. وها هو المجتمع الدولي يتعامل مع لبنان في ما يخص النزوح السوري بالاسلوب عينه لابقاء النازحين في لبنان كأمر واقع، الى ان ينتهي النزاع السوري فتكون العودة طوعية. وهذا يعني عمليا تحميل لبنان اعباء النزوح الاقتصادية والاجتماعية وسواها بحيث يصبح الحل مسؤولية لبنانية، بينما يبني الرئيس الاميركي جدار الفصل مع المكسيك لحماية مصالح الدولة العظمى وتتخذ دول الاتحاد الاوروبي الاجراءات لمنع دخول النازحين الى اراضيها. فلكل دولة الحق والتبرير لاتخاذ الاجراءات لحماية مصالحها الا في الحالة اللبنانية.

التوطين ليس مسألة نظرية ولا اوهام. فالاوضاع الاقليمية والدولية وموازين القوى مؤشرات واضحة باتجاه تحصين الامر الواقع. فأي اجراء يخدم مصالح اسرائيل مبرّر ومقبول، وان كان على حساب الشعب الفلسطيني او على حساب لبنان.

كلمة موجزة، اخيرا، حول قانون الانتخاب ونحن في عزّ الموسم الانتخابي. لا بد من الاقرار ان قانون الانتخاب لم يأت على قياس أي من القوى السياسية. ومن لديه "ميزة تفاضلية" فهذا ليس بسبب القانون بحدّ ذاته بل بسبب الواقع السياسي والاجتماعي والمناطقي المتجانس والمجرّب. وظيفة اقرار القانون كانت بالدرجة الاولى اخراج البلاد من المأزق جراء المهل الضاغطة.

وانا كنت من منتقدي قانون الانتخاب، قبل وبعد صدوره، واشرت الى ذلك في مجلس النواب وفي غير مناسبة، وانني اليوم اكثر اقتناعا بأن القانون يجسّد مساوئ نظام الاقتراع الاكثري ويتجاوزه سوءا. هذه بعض الملاحظات الموجزة: (لن اتكلم عن الاستنسابية الكاملة في اعتماد الدوائر الانتخابية).

  1. قانون الانتخاب ينطلق نسبيا، في نسبية "مُلبننة" لا تُشبه ايا من انظمة الاقتراع النسبي المعتمدة في العالم، ويَحُطّ الرحال نظاما اكثريا في صيغة هي الاكثر تشددا في النظام الاكثري، اي one person one vote. "الصوت التفضيلي" في الانظمة التي تعتمده هو عادة ضمن الفريق السياسي الواحد (او الحزب الواحد) وليس بين اضداد.
  2. تتمّ العملية الانتخابية في احتساب الاصوات على مرحلتين: واحدة تخص اللائحة مجتمعة واخرى منفصلة عنها، وكأن اللائحة غير موجود، ما يتناقض مع علة وجود نظام الاقتراع النسبي المبني على اللائحة الانتخابية المتجانسة والمتضامنة.
  3. الانتخابات النيابية مسألة سياسية بامتياز، والا نكون في حلبة ملاكمة. القانون يهمّش البعد السياسي للانتخابات وتحالفاتها. الحيّز السياسي هو الحلقة الاضعف والتحالفات السياسية مؤجلة الى ما بعد الانتخابات. اما الصوت التفضيلي فهو تفضيل لمرشح دون الآخر لاسباب متنوعة، ابرزها تأمين الفوز، والغائب الاكبر الاعتبار السياسي، لاسيما في اللوائح غير المتجانسة. فلا فرق نوعي عندئذ بين الانتخابات النيابية والانتخابات البلدية لجهة تأثير العصبيات والانتماءات الاولية والحسابات المحلية في العملية الانتخابية. الشأن السياسي الوطني في اجازة الى ما بعد 6 ايار. "لا مركزية" انتخابية، وكأن الانتخابات تجري في دوائر انتخابية هي بمثابة مناطق منفصلة عن سواها، وكأننا في "الولايات اللبنانية المتحدة".
  4. القانون لا يساوي بين اللبنانيين لاسيما لجهة آلية احتساب الاصوات بين الدوائر الانتخابية، وخصوصا في الاقضية المدمجة، اذ يجري الانتخاب في القضاء والاحتساب في الدائرة الاوسع لتحديد نسب الاصوات التفضيلية. وفي طياته مخالفة دستورية.

في الختام، ركائز اربع لا بد منها للخروج من الدوامة: تحمّل المسؤولية، مصارحة صادقة مع الذات ومع الناس، شفافية في الاداء، وارادة ثابتة في اتخاذ القرار. وهي ركائز "العقد الاجتماعي" المهتزّ في السياسة والاقتصاد، وفي دولة يتم التعامل معها وكأنها جسم منفصل عن مصالح الناس.