Site Visitors Till Now
506880

ديموقراطية Diet بطبقات ثلاث
ديموقراطية Diet بطبقات ثلاث 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


ديموقراطية Diet بطبقات ثلاث

النائب د.فريد الخازن

12 نيسان 2018

حلقات مفقودة، بين الانتخابات وقانونها وبين القانون والناس. صلة الوصل تؤمنها عادة الاحزاب في نظام اقتراع نسبي ضمن لوائح متجانسة ومتضامنة تتنافس مع لوائح أخرى. هذا في النظريات. أما في لبنان، فالواقع خليط مبعثر، حيث يتم احتساب اصوات المقترعين على مرحلتين منفصلتين: واحدة تخص الحاصل الانتخابي لتحديد عدد المقاعد التي تنالها اللائحة وأخرى منفصلة عن اللائحة لتحديد نسب الأصوات التفضيلية للمرشحين في الدوائر والاقضية المعنية. إنها معركة على جبهتين: واحدة بين اللوائح وأخرى ضمن اللائحة الواحدة. هكذا تأتي أصوات الناخبين موزعة في الاتجاهين. وبما ان لكل دائرة انتخابية خصوصياتها، ففي بعض الدوائر المعركة عنوانها الحاصل الانتخابي لقطع الطريق على الخصوم من التأهل للمرحلة التالية. 

قانون الانتخاب "الملبنن"، الذي سبق لي أن تناوَلْته على هذه الصفحات، صادرته الاعتبارات المحلية والطائفية والمناطقية على حساب الجوانب السياسية، الاكثر ارتباطاً عادة بالعملية الانتخابية. فلا شأن وطنياً جامعاً، والرأي العام مشرذم داخل الدوائر الانتخابية وعلى المستوى الوطني العام. الصوت التفضيلي "لا يترك لك صاحب"، بحسب المثل الشائع، وهو بدوره "تلبنن"، فللعائلة أو العشيرة صوتها التفضيلي، كما للحزب أو للمال. "تفضيل" لمرشح معين غايته جمع أكبر عدد من الأصوات، أي ان التفضيل لا مضمون سياسيا له، وقد يكون لكل مرشح برنامجه الانتخابي ضمن اللائحة الواحدة. أما اللائحة فمتضامنة قسراً من أجل الحاصل، و"البوسطة" تحولت دراجة على قياس المصلحة الانتخابية في "خصخصة" تبدو جائزة، ما دام المسار الانتخابي مفككاً.

بكلام آخر، مساوئ نظام الاقتراع الاكثري "ممثلة" في نظام الاقتراع النسبي المعتمد. وهو يُنتج زبائنية على درجات: درجة أولى (first class) تخص الحزب أو الجهة الأكثر نفوذاً في اللائحة، تليها درجة أخرى (business class) تخص رجال المال والأعمال، ودرجة ثالثة (economy) لسائر أعضاء اللائحة. وبعد اقلاع "الطائرة"، سرعان ما تؤول القيادة الى (auto-pilot)، على أمل هبوط آمن لركابها. تبقى الاشارة الى جائزة "من سيربح المليون"، المتمثلة بكسور اللوائح المتنافسة، ورقة لوتو رابحة يُحسب لها حساب. اللوائح تسعى لنيل الكسر الاكبر، ولن يكون إّلا من نصيب لائحة واحدة.

لعل السمة الابرز للانتخابات وقانونها ان التحالفات الانتخابية منفصلة عن التحالفات السياسية، انفصالاً "أخوياً" حيناً وقسرياً حيناً آخر، تفرضه المصلحة الانتخابية، مثلما هي الانتخابات منفصلة عن الواقع السياسي. انها حالة غير مألوفة، بل غير مسبوقة في لبنان أو في أي من الانظمة السياسية حيث الانتخابات حرة وتنافسية. الاقتراع واحد، إلّا انه عمليا اقتراع بطبقات ثلاث: واحد للتحالف الانتخابي وآخر للاعتبارات المحلية وثالث للتحالف السياسي. وبين الثلاثة، الجانب السياسي هو الأقل شأناً، يستعيد اعتباره عندما تتظهّر أحجام الكتل التي ستنتجها الانتخابات. ديموقراطية Diet، خالية من الدسم، في انتخابات مشبعة بالدهون.

في "الولايات اللبنانية المتحدة"، عيش مشترك من نوع آخر، بين الانتخابات وقانونها وواقع سياسي يُبتّ أمر تحالفاته بعد الانتخابات. والمقصود هنا ليس تقليل أهمية الانتخابات بل استخلاص العبر. قانون الانتخاب ساهم في اتاحة الفرص لمرشحين جدد، نساء ورجال، وهذا دليل عافية بمعزل عن النتائج المرتقبة. إلّا ان المشهد السياسي في البلاد في مرحلة عبور الى تحالفات سياسية لما بعد اصطفاف 8 و 14 آذار. ولا بد ان تشكل تجربة انتخابات 2018 ممراً الزامياً لتصحيح الخلل، وإن في عملية انتخابية يتنافس فيها "صندوق الفرجة" مع صندوق الاقتراع.