Site Visitors Till Now
456600

حروب سوريا بين الدولة والساحة والمشاع
حروب سوريا بين الدولة والساحة والمشاع 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


حروب سوريا بين الدولة والساحة والمشاع

الدكتور فريد الخازن

19 نيسان 2018

في سوريا، سلسلة حروب متداخلة في مسار متدحرج من المحلي الى الاقليمي، وصولاً الى الدولي. في النزاعات،كما في المصالحات، ثمة تدرّج في الشكل والمضمون. بدأ النزاع في سوريا مواجهات سلمية بين النظام والمعارضة، وسرعان ما تعسكر بمشاركة اطراف الداخل والخارج، ولا سيما منهم الجهات الاقليمية، كما أصبح للتنظيمات التكفيرية المسلحة نفوذ واسع يُحسب له حساب. ومع التدخل العسكري الروسي في 2015، انتقل النزاع الى مستوى آخر من المواجهات العسكرية. 

بعد القضاء على "داعش" ومثيلاته، استعادت الساحة السورية وظيفتها في ضوء ما استجدّ من تحولات. في الداخل، القوى المتنازعة منهكة، بمعزل عن حجمها وتأثيرها، ولم تعد قادرة ان تحافظ على مواقعها بلا دعم خارجي. والخارج، الاقليمي تحديداً، حسم خياراته وحدّد أهدافه واطار حركته. أما في ما يخص الدول الكبرى، فساحات الاشتباك مفتوحة ومتاحة. وما الضربة العسكرية التي قامت بها أخيراً أميركا وفرنسا وبريطانيا سوى ترجمة لهذا الواقع، وان كانت عملية رفع عتب مع تسليم الأطراف المناوئين، وخصوصا روسيا وايران، بقواعد اللعبة المعلنة سلفاً وأهدافها المحددة لتجنّب الاشتباك الاوسع.

ولا يكتمل مشهد الساحة السورية إلّا مع طرف اقليمي آخر، اسرائيل، التي انخرطت في النزاع في حدود الممكن، ولم تعد فقط دولة مجاورة لسوريا وتحتل أرضها في الجولان، بل هي أيضاً على حدود النزاعات الدائرة في البلاد في ابعادها الداخلية والاقليمية والدولية. والقاسم المشترك بين عدد من اطراف النزاع هو العداء لايران، صلة الوصل الامتن راهناً بين واشنطن وتل ابيب. في مرحلة ما بعد الضربة الثلاثية، مسار النزاع في سوريا مرتبط الى حد بعيد بمصير الاتفاق النووي مع ايران. الموقف الاميركي من الاتفاق والرد عليه يشكلان حداً فاصلاً في مسار النزاع، في اتجاه التصعيد العسكري تحديداً. وقد تكون ايران جاهزة للتصدي، كما اسرائيل جاهزة للصمود. وبين الصمود والتصدي، سوريا الساحة تتحول ارضاً مشاعاً لاشتباك غير مسبوق، عندها يحضر التبرير المطلوب.

عناصر الحرب الباردة متوافرة في سوريا، وهي تميل الى السخونة، وركناها أميركا وروسيا، ولكل طرف أسبابه وحساباته الداخلية والخارجية. روسيا لن تتراجع عما انجزته في سوريا وعبرها. وأميركا، وان شهدت ادارتها وسياسة رئيسها تقلبات وتناقضات، فان البوصلة في سوريا في ما يخص ايران تتحكم بها اسرائيل، وهي الوجهة الأكثر ثباتاً حالياً في النزاع السوري، براً وبحراً وجواً.

وفي المنطقة، أخذ النزاع في اليمن مداه، داخلياً واقليمياً، ولا تعيره الدول الكبرى أهمية خاصة. وفي ليبيا نزاع متواصل، والاهتمام الدولي لا يتجاوز محاولة حصر تداعياته داخل البلاد للحد من حركة النزوح الى أوروبا. وفي المقابل، النزاع في سوريا مدوّل وله أهمية كبرى لأطرافه كافة. وبعيداً من المنطقة، في الأزمة الكورية، ثمة ارادة لدى أطراف النزاع للتهدئة أو لعدم التصعيد، حيث ادوات الحرب نووية. أما في سوريا، فباستثناء السلاح الكيميائي والموقف منه معروف، ادوات التصعيد متاحة ومشروعة في نظر أصحابها. والتصعيد يلائم غير طرف، على رغم توازن الردع والكلفة المرتفعة في حال التفلّت منه. الردع قد يحول دون حدوث الفلتان، الا انه ليس ضمانة أكيدة لتجنب الاسوأ وردع التهور.

يبقى ان لبنان على حدود الحروب الممكنة في سوريا، والسؤال الى أي مدى يمكن ان ينأى بنفسه والصواريخ العابرة للدول والقارات لا تحدّها حدود. ولِمَن سيكون "صوته التفضيلي" اذا فُتحت "أبواب الجحيم" فتقوى على من فيه من بشر وحجر ومكونات؟!