Site Visitors Till Now
493757

لبنان والحماية الدولية: المناعة الداخلية أولاً
لبنان والحماية الدولية: المناعة الداخلية أولاً 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


لبنان والحماية الدولية: المناعة الداخلية أولاً

الدكتور فريد الخازن

26 نيسان 2018

ليس سهلاً على اللبنانيين، وعلى سياسييهم تحديداً، ان يقتنعوا ان لبنان لم يعد في دائرة اهتمام الدول الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة الاميركية، على رغم المؤتمرات الدولية الداعمة برعاية فرنسية أو ايطالية. في مراحل سابقة، جذب لبنان اهتمام الدول الكبرى ودول المنطقة عندما كان ساحة حروب اقليمية وداخلية. فبعد حرب 1973 بات جنوب لبنان ساحة وحيدة للمواجهات العسكرية بين اسرائيل والمنظمات الفلسطينية. واخذت المواجهات مداها وصولاً الى الاجتياح الاسرائيلي الاول في 1978 والثاني في 1982، الأوسع حجماً وأهدافاً وتداعيات. 

الثابت ان اهتمام الدول الكبرى بلبنان لم يأت بسبب الواقع اللبناني بحد ذاته بل أيضاً لاسباب مرتبطة بالاوضاع الاقليمية. في مرحلة ما قبل الحرب، ذروة الاهتمام الاميركي بمجريات الاحداث جاءت في 1958 مع إرسال "المارينز" الى لبنان بعد اطاحة النظام العراقي الموالي للغرب واعلان دولة الوحدة بين مصر وسوريا. استعادت واشنطن اهتمامها في 1976 مع تفاقم التفكك الداخلي والصدام بين المنظمات الفلسطينية وسوريا، وكان الهدف تأمين استمرارية الشرعية بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وجاء الاهتمام الاميركي لاحقاً جراء "أزمة الصواريخ" في 1981 لاحتواء الاشتباك بين سوريا واسرائيل، تبعها بعد عام الاجتياح الاسرائيلي والدور الاميركي في مختلف مراحله.

 

تراجَعَ الاهتمام الدولي بعد انتهاء الحرب وتثبيت الوصاية بغطاء اقليمي ودولي. وفي السنوات الاخيرة، حدثان جلبا الاهتمام الدولي بلبنان: حرب 2006 وتداعياتها مع صدور قرار مجلس الامن 1701 وحرب سوريا منذ 2011، حيث أخذ الاهتمام الدولي أبعاداً مختلفة جراء النزوح السوري الى لبنان وتمدّد التنظيمات الارهابية في المنطقة. وبدعم من الهيئات الدولية المعنية باللاجئين، دخل لبنان نحو مليون ونصف مليون نازح سوري بلا رقابة من الدولة اللبنانية. وجاء التصدي للارهابيين بفاعلية عالية من الجيش اللبناني والقوى الامنية.

الاهتمام الدولي بلبنان في المرحلة الراهنة يختلف، في مضمونه وغاياته، عنه في المراحل السابقة. النزاعات الدائرة في المنطقة تأتي في صدارة الاهتمامات، حيث مصالح الدول الكبرى والدول الاقليمية النافذة، وليس لبنان. إلّا ان الموقف اللبناني اليوم موحد في ما يخص المسائل الكبرى، خلافاً لما كانت عليه الحال في الماضي.

أما الحماية الدولية للبنان فمصدرها داخلي وخارجي، وهي ليست ثابتة، أي انها عرضة للتبدّل. العالم اليوم لم يعد بحاجة الى لبنان "الساحة"، وفي المنطقة ساحات مفتوحة ومتاحة للنزاعات وتصفية الحسابات. وفي الداخل، ارادة القوى السياسية إبعاد لبنان عن نزاعات المنطقة قدر المستطاع وتنظيم الخلاف في الحكومة وخارجها. ثمة دول تدعم لبنان، ولا سيما منها دول الاتحاد الاوروبي، ودول اخرى ليست لها مصالح حيوية فيه، أبرزها الولايات المتحدة، وهي تتعامل مع لبنان من منظار اقليمي محوره التصدي لايران.

ولا بد من التمييز بين الدعم الظرفي لتفادي الازمات الكبرى والدعم الذي يصل الى حدّ الحماية. الواضح ان الحرب في لبنان غير مرغوب فيها، اذ هي تفاقم الازمات، ومنها ازمة النزوح السوري. أما تقديم الدعم للجيش اللبناني والقوى الامنية فيأتي في سياق التصدي للارهاب، وإن جاء متأخراً، بينما كان الجيش بحاجة إليه منذ تصديه للارهاب في مخيم نهر البارد في 2007 ولم يكن لديه ما يكفي من الذخيرة. والدعم الذي أُعلن عنه في مؤتمر روما جاء مشروطاً، مثلما كانت الضغوط على لبنان في اجتماع عقد على هامش المؤتمر وتناول اللجوء الفلسطيني. ومؤتمر باريس الاخير، الذي اثمر وعوداً بقروض ميسرة وثقة مشروطة بلبنان، يأتي في السياق عينه لدعم الاقتصاد، لكن بقدر ما يحصّن لبنان نفسه باجراءات اصلاحية في السياسة الاقتصادية والمالية والادارة العامة والتشريع. بكلام آخر، لا دعم بلا مقابل.

الاستقرار في لبنان محبَّذ ومطلوب، استقرار الضرورة بالنسبة الى الدول المعنية بالوضع اللبناني. الا ان حجر الزاوية في المعادلة يبقى مدى الالتزام اللبناني للاستقرار. صحيح ان "الخارج" يسعى الى عدم زجّ لبنان في النزاعات الاقليمية، لكن لهذا التوجه حدوداً وضوابط متحركة، ولا يمكن التعويل عليها اذا تراجعت المناعة الداخلية لأي سبب كان.