Site Visitors Till Now
504215

عودة السياسة بعد الانتخابات، محاور "غب الطلب"
عودة السياسة بعد الانتخابات، محاور "غب الطلب" 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


عودة السياسة بعد الانتخابات، محاور "غب الطلب"

الدكتور فريد الخازن

10 أيار 2018

بعد غياب قسري فرضته الانتخابات وقانونها، تعود السياسة الى البلاد لتسترجع مكانتها. غابت المضامين السياسية والوطنية عن الانتخابات، فجاءت التحالفات الانتخابية منفصلة عن التحالفات السياسية. أما في الحالات التي كان للسياسة فيها موقع ودور، فهذا مرده الى الديموغرافيا المتجانسة والبيئة السياسية المؤاتية والتجربة الطويلة في الانتخابات وليس الى قانون الانتخاب بحدّ ذاته، مثلما هي حال دوائر الثنائية الشيعية. 

لهذه الانتخابات رمزية تتقاطع مع دلالاتها السياسية. ففي حين ان المعادلات السياسية القائمة خارج صندوق الاقتراع لم تتبدل بشكل حاسم، الا انها خلطت التوازنات. رمزية الانتخابات انها جرت بعد التشكيك في حصولها، وساهمت في تنفيس الاحتقان بعد اقرار قانون جديد لم يجعل الانتخابات أكثر ديموقراطية، بل حوّل التنافس معارك طاحنة داخل اللائحة الواحدة في نسبية "ملبننة" مع وقف التنفيذ. والسؤال ما الذي قدمته النسبية من علامات فارقة لم يكن يؤمنها نظام الاقتراع الاكثري أو سواه؟ وهل ساهم القانون الجديد في تغيير سلوك الناخبين واخراجهم من الذهنيات المعروفة؟ انجاز لافت يسجّل، لا بسبب القانون بل بسبب الجهد الكبير الذي بذله وزير الخارجية وفريق عمله بالتنسيق مع وزارة الداخلية لاقتراع المغتربين.

لم يُظهر قانون الانتخاب عورات المجتمع فحسب بل اعطاها المسوّغ والتبرير. كل حالات العصبيات والانتماءات الفئوية برزت وبلغت سقفها الاعلى، بينما الحراك المدني، غير المنتمي الى هذه العصبيات، كان الاكثر هشاشة. هذا فضلاً عن دور المال الذي تعاظم، ومعه نفوذ رجال الاعمال والمتمولين الكبار، وهذه المرة بتبرير "مشروع" ما دامت اللوائح مفككة. صحيح أن عدالة التمثيل أمنها القانون، لكن الأصح ان قدرة التأثير محدودة لوجوه أتاح لها القانون ان تدخل منفردة المجلس للمرة الأولى. أما الوجوه المستعادة فمبتغاها استرجاع الموقع أو تصفية حسابات او التوريث السياسي. وهذا كان متاحاً في أي نظام اقتراع. ولم يسعف القانون الفئات غير الممثلة، كما كان منتظراً، الا بشكل محدود.

والسؤال هنا، ما الفارق النوعي الذي أحدثه القانون الجديد؟ نسب الاقتراع المنخفضة بالمقارنة مع انتخابات 2009 على رغم ارتفاع اعداد الناخبين، غير مرتبطة بالقانون الذي يشجع التنافس والاقتراع، بل بحالة من عدم الاكتراث والرضى وعدم الثقة. "خصخصة" الرأي العام لم تأتِ بالثمار المرجوة. الناس انتخبت على مضض، وجاء الصوت التفضيلي الواحد ليضيق هامش الخيارات وحرية الاختيار. والاحزاب التي حشدت أقصى طاقاتها، تباينت قدراتها بين منطقة وأخرى لاسباب متنوعة. فلكل دائرة انتخابية خصوصية، وجامع "الولايات اللبنانية" الآن مجلس النواب.

أما مشهد ما بعد الانتخابات فليس مرتبطاً حصراً بالقانون بل بالاجواء السياسية الملبّدة. ففي الجعبة البرلمانية مسائل تتجاوز الاكثريات والاقليات العددية لتصل الى خصوصية القوى السياسية. فلا أكثرية عددية حاسمة ولا تحكّم في القرار. التمثيل الشيعي هو الأكثر تماسكاً، يقابله تشرذم في البيئات السياسية الأخرى. ثمة كتل نيابية "مقاتلة" وأخرى مساندة. تحالفات مجلس النواب الجديد متعددة المحور، وقد يغلب على حركتها طابع "القطعة"، أي محاور "غب الطلب"، خلافا للاصطفاف الثنائي بين 8 و 14 آذار الذي سّهل مهمة التلاقي والافتراق، وغيابه يزيدها تعقيداً. كما ان التحديات المرتقبة ضاغطة وقد تكون غير مألوفة. في الداخل التحديات الاقتصادية تفرض عولمة قسرية بشروط الدول المانحة. وفي المحيط الاقليمي نزاعات لم تنته، وخصوصاً في سوريا، حيث التجييش لمواجهات ممكنة لا بين أطراف النزاع المجرّبين بل بين اسرائيل وايران بدعم اميركي او برضى غير معلن. النزاع السوري في مرحلة جديدة من المواجهات المدوّلة، وتداعياته على لبنان تختلف عمّا حصل سابقاً، ما يضع نَفَس "النأي بالنفس" على المحك.

جرت الانتخابات بهدوء وفي أجواء تنافس ديموقراطي، ولا بد من استخلاص العبر لتصحيح الخلل إن لجهة نظام الاقتراع أو بالنسبة الى التوزيع الاستنسابي للدوائر بلا أي معيار. وفي المحصلة، توازنات جديدة ستواجه اختبارها الاول مع تشكيل الحكومة الجديدة ولمواجهة التحديات، المنظور منها والمستور.