Site Visitors Till Now
464899

"صفقات" بالجملة بين قرن وعصر
"صفقات" بالجملة بين قرن وعصر 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


"صفقات" بالجملة بين قرن وعصر

الدكتور فريد الخازن

31 ايار 2018           

"صفقة القرن" تمت وبتحدّ كبير في الشكل والمضمون. ما لم يفعله اسلافه، وهم ايضا من داعمي اسرائيل، فعله الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، وبالتالي نسف مقومات حل الدولتين عن سابق تصور وتصميم. بين وعد بلفور ووعد ترامب (الانتخابي) قرن حافل بالحروب والمآسي. لكن بعد نكبة 1948، انطلق زخم تحرير فلسطين باسم العروبة، الناصرية تحديدا، والحركات القومية الثائرة بوجه "جيل الهزيمة". وفي حرب 1967 جاءت الهزيمة لتصيب الجيل الذي انتفض على من سبقه، وانطلق الكفاح المسلح، جبهة رفض لجيلَيْ النكبة والنكسة.

اما اليوم، وبعد "صفقة عصر" ترامب ونتنياهو، وفي ظل الواقع العربي المأزوم وهذه المرة من الداخل، ومع الانقسامات الفلسطينية الحادة، أي رد فعل لا يعيد القدس الشرقية الى اهلها لن يفي بالغرض المطلوب. وعندما يكون الخطر الداهم في المنطقة، بنظر البعض، مصدره ايران  والسقف الاعلى للمواقف العربية من ضربة القدس القاضية بيانات استنكار وكأن ما حصل توسّع في الاستيطان والتهويد، لم يعد بالامكان افضل مما كان. ففي رحلة الالف ميل، قرار القدس هو الميل الاخير وطريقه مسدود.

شكلت القدس في العقود الاخيرة المنفذ الاخير لتسوية ممكنة، ولو نظريا، لنزاع هو الاطول بين النزاعات الاقليمية منذ مطلع القرن العشرين الى اليوم. اما المسائل الاقليمية الاخرى فمتشابكة وداهمة. الجامع بين النزاع العربي- الاسرائيلي، الفلسطيني- الاسرائيلي تحديدا، والاشتباك الاميركي- الايراني، صراع محوره التاريخ، القديم منه والحديث. ثمة منطلقات عسكرية وسياسية واقتصادية لأي صراع، وموازين قوى تتبدّل ومعها اولويات القادة واساليب حكمها. خلفيات نزاعات المنطقة تستمدّ زخمها من التاريخ في ابعاده القومية والدينية والسياسية وسواها. ففي القراءة الاسرائيلية، حقوق مكتسبة لليهود في "ارض اسرائيل" التاريخية، وفي ذلك انكار كامل للشعب الفلسطيني، لهويته وحقوقه كسائر الشعوب. صراع التاريخ لجهة جذوره القومية يمتد الى ايران والى موقف اسرائيل من الاتفاق النووي، حيث الخلاف ليس حول الاتفاق النووي فحسب بل حول ما قد ينتج عنه بعد سنوات من توقيعه. "صفقة قرن" اخرى تخص ايران تتمثل بالاتفاق النووي، بينما اسرائيل لا تقبل الا "بصفقة قرن" واحدة، بلا منافس من أحد.

ولهذه الصراعات "والصفقات" متنفس وساحة متاحة في سوريا لتصفية الحسابات. بين الدول الكبرى، روسيا هي الاكثر نفوذا وتصميما، وبين الدول الاقليمية ايران. وبين الاثنتين تأتي مواقع متحركة للولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي وبعض الدول العربية وسواها. وعلى المستوى الداخلي، النظام يبقى الاكثر تماسكا بالمقارنة مع اطراف المعارضة المشتتة. الا ان عيون اطراف النزاع شاخصة الى الخارج بقدر ما هي مرتبطة بالداخل. فلروسيا اهداف تتجاوز سوريا لتصل الى اوكرانيا. ولايران غايات تشمل المنطقة، مثلما هي حال الولايات المتحدة. اما تركيا فتكتفي حاليا بنفوذ حاسم في مناطق الاكراد على حدودها، بينما اسرائيل تستجمع ذرائعها وقواها في حال المواجهة، وقد تكون "صفقة العمر" في حسابات نتنياهو.

الفارق كبير بين تحولات  الماضي، والتبنّي الاميركي في زمن السلم لاقصى ما يختزن المشروع الصهيوني من تطرف، وهو الآن في قرنه الثاني. بعد حربي 1948 و 1967 كان ثمة مخارج وأفق مفتوح، بينما اخراج القدس من سياق حل الدولتين وصفة أكيدة لانهاء التسوية على المستويين النظري والعملي. في الماضي، كانت طريق القدس (أو فلسطين) تمر من بوابة الوحدة العربية، وبعد حرب 1967 رسمت الثورة الفلسطينية مسار التحرير من الاحتلال. اما اليوم فالطريق الى القدس سالكة، لكن عبر اسرائيل ومع بطاقة عبور اميركية. فاذا كانت للنكبة نكستها، فماذا بعد الاحتلال الكامل للقدس؟