Site Visitors Till Now
477412

النزوح السوري أزمة مستدامة وإهمال "طوعي" مدوّل
النزوح السوري أزمة مستدامة وإهمال "طوعي" مدوّل 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


النزوح السوري أزمة مستدامة وإهمال "طوعي" مدوّل

الدكتور فريد الخازن       

14 حزيران 2018

 

حالات النزوح من دولة الى اخرى تتعامل معها الهيئات الدولية عادة كأمر واقع ويتحول عبء النزوح عمليا الى الدولة المضيفة، بعد تجهيل الفاعل وتغييب المسؤوليات. والامثلة عديدة منذ الحرب العالمية الثانية الى اليوم. الحرب السورية منذ 2011 ادت الى تهجير مئات الآلاف وتم ادخال نحو مليون ونصف مليون سوري الى لبنان بواسطة الهيئات الدولية. سياسة الامر الواقع تحكّمت بالنزوح السوري في لبنان، خلافا لما حصل في الاردن، وخصوصا في تركيا التي فرضت شروطها على الاتحاد الاوروبي لوضع حد لدخول النازحين الى اوروبا ونالت في المقابل ما ارادت.

الهيئات الدولية المعنية بالنزوح، في مقدمها المفوضية العليا للامم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) التي انشئت في 1950 بغرض المساعدة الانسانية ولكن بهدف ايجاد الحلول الدائمة (permanent) لحالات النزوح. وهذا يعني عمليا السعي الى ادماج النازحين (او اللاجئين) في المجتمعات المضيفة. وغالبا ما تأتي المساعدات والوعود في السنوات الاولى من النزوح وتتراجع لاحقا لاسباب مالية أو سياسية. المسار معروف، يبدأ بالضغط لادخال النازحين واطلاق الوعود بالمساعدات، ومن ثم محاولات الادماج والتنصل تدريجا من الوعود، وخصوصا عندما يكون الطرف المضيف غير متمرس في التعامل مع الجهات الدولية او عندما لا تكون للدولة المضيفة سياسة واضحة.

خلال سنوات الحرب ولاحقا في مرحلة الوصاية، اعتاد المجتمع الدولي ان يتعامل مع لبنان على قاعدة ان لا قرار للدولة في المسائل السيادية. تبدّل الوضع اليوم واستعادت الدولة دورها للحفاظ على مصلحة لبنان. ولعل اكثر ما يزعج الهيئات الدولية الآن ان ثمة من يعترض على ادائها، والصوت الاعلى لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون ولوزير الخارجية جبران باسيل. الخلاف بين لبنان والمجتمع الدولي محوره اولوية عودة النازحين والآلية المطلوبة لتفعيل العودة فتكون آمنة، كما يطالب لبنان، وطوعية بحسب الجهات الدولية، والفارق كبير بين المصطلحين. فالعودة الآمنة تفتح الباب امام امكان العودة اذا كانت الظروف ملائمة في مناطق معينة، بينما العودة الطوعية لا حدود زمنية لها ولا رابط بأي معيار. وفي ذلك دعوة غير معلنة لعدم العودة. وهذا ما حصل عندما حاول مندوبو المفوضية الضغط على النازحين في شبعا لحملهم على عدم العودة الى بلدهم. فإرادة العودة الجدية تبدأ بمساعدة النازحين ودعمهم لتسهيل عودتهم بدل تخويفهم.

الدول الكبرى المعنية بالنزاع السوري تربط العودة بايجاد تسوية للنزاع، وهي غير متاحة في المدى المنظور. في المؤتمرات الدولية حول سوريا، من جنيف الى استانا، تم التطرق الى مسائل عديدة، منها مناطق خفض التصعيد، ولم يلق النزوح اي اهتمام يذكر، ما يعني تجاهل الموضوع مع خفض المساعدات الدولية. بكلام آخر، على لبنان ان يتدبر امره "بالتي هي احسن"، هذا فضلا عن اجراءات اتخذتها اخيرا السلطات السورية، ما يزيد الامور تعقيدا على رغم التوضيحات التي قدمتها دمشق بخصوص القانون رقم 10.

الاجراء الاقل كلفة ومسؤولية بالنسبة الى المجتمع الدولي هو ابقاء النازحين حيث هم، أي التوطين في المفهوم اللبناني. لكن رمي الكرة في ملعب لبنان يحتّم الدفاع عن مصالحه مع تفاقم اعباء النزوح. فاذا لم يعترض لبنان، يتصرف المجتمع الدولي على هواه ووفقا لمصالحه واولوياته، واذا اعترض يحفظ حقه في المطالبة بحقوقه ويحمّل المسؤولية للجهات الدولية، الى حين اعتماد مقاربة مختلفة تأخذ في الاعتبار خيارات النازحين ومصلحة لبنان.

وتجدر الاشارة الى ان مؤتمر باريس الاخير (سيدر) اعطى غطاء غير مباشر لحمل لبنان على التسليم بأمر واقع النزوح السوري وربطه بحاجات لبنان الاقتصادية. ولا مبالغة في الافتراض ان الوعود السخية في مؤتمر باريس جاءت في بعض جوانبها بديلا عن ايجاد الحلول العملية لازمة النزوح. اما المزايدات الداخلية فمردودها سلبي على الجميع وتعطي اشارة للمجتمع الدولي بالتمادي في الاهمال "الطوعي" لازمة نزوح مستدامة وبكلفة باهظة على لبنان، دولة وشعبا.