Site Visitors Till Now
504265

الحكومة الموعودة والعصبيات المحسوبة
الحكومة الموعودة والعصبيات المحسوبة 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


الحكومة الموعودة والعصبيات المحسوبة

الدكتور فريد الخازن

19 تموز 2018

 

غالباً ما يُطلِق تشكيل الحكومة في لبنان جدلاً موسمياً حول الدستور ويترافق ذلك مع كلام يربط الوضع الداخلي بالسياسات الدولية. فلو كان الحكم في لبنان بيد الحزب الواحد او الحاكم الاوحد، أي، بكلام آخر، لو ان الدولة سلطوية او على نسق "جماهيري"، لكان تشكيل الحكومات يتم بسرعة قياسية دونما حاجة الى مشاورات ... ولا حتى انتخابات.

في زمن ما قبل اتفاق الطائف، كان لرئيس الجمهورية صلاحيات دستورية واسعة. ولكن في الازمات الفاصلة، غالبا ما تعطّلت الصلاحيات الرئاسية ومعها الحكم وآلية اتخاذ القرار. وهذا ما حصل مع تشكيل الحكومة الاولى في عهد الرئيس فؤاد شهاب بعد ازمة 1958، فاستُبدلت بحكومة اكثر توازنا، وان أضيق تمثيلا. وبعد الصدام بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية في ظل الانقسام الداخلي الحاد في مرحلة ما بعد حرب 1967، شهد لبنان ازمة حكم في 1969 دامت نحو سبعة اشهر على رغم تكليف رشيد كرامي، احد ابرز زعماء البلاد والوجوه الشهابية، تشكيل الحكومة. وبعد ازمة 1973، لم تنل حكومة امين الحافظ الثقة وسرعان ما استقالت بعدما ووجهت بمعارضة القيادات السنية. وتكرّر المشهد في ظروف مختلفة مع الحكومة العسكرية برئاسة نور الدين الرفاعي في 1975. وخلال سنوات الحرب، بلغ التشرذم والتعطيل اقصى مداه في الدولة ومؤسساتها.

حكومات ما بعد الحرب، شأنها شأن مواقع الحكم الاخرى، كانت بيد سلطة الوصاية، على رغم التعديلات الدستورية المنبثقة من اتفاق الطائف. ومن ثوابت العمل السياسي في تلك المرحلة افراغ الطائف من مضامينه واعتبار الدستور اضافة غير مُلزِمة. اما السيادة، الشق الآخر لاتفاق الطائف، فباتت كلمة مرذولة، مرادفة للتنكّر للعروبة. وجاء فَرض اجراء الانتخابات النيابية في ايلول 1992، بعد بضعة اشهر على تعيين اكثر من ثلث اعضاء مجلس النواب، ليتزامن مع موعد اعادة تمركز القوات السورية، بعد عامين على اقرار الاصلاحات الدستورية، بحسب ما جاء في اتفاق الطائف.

مرجعية تشكيل الحكومة الجديدة حدودها الطائف والدستور، وهو إلتزام لا يَحيد عنه رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة المكلف. الا ان الاطراف السياسيين اليوم تختلف في حركتها وتمثيلها واولوياتها عن النمط المعتاد، لاسيما وان المحاور السياسية داخلية بامتياز، لا صلة مباشرة لها بالخارج لجهة المضامين والاساليب التي سادت في مراحل سابقة. لبنان اليوم بين اهله، المنقسمين في اتجاهات لا تقدم ولا تؤخر في مسار القمم المتنقلة من سنغافوره الى بروكسيل وهلسنكي. وما يجلب الاهتمام الدولي بلبنان النزوح السوري والاستقرار الامني والاقتصادي وحزب الله، وهي مسائل لا تحول دون تشكيل الحكومة، بل العكس هو الصحيح.

 اما المتاريس السياسية الجوالة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فهي بين مدّ وجزر: مصالحة موعودة وتفاهم مأزوم. والخلاف في الوسط الدرزي تعود جذوره الى قرون مضت، قبل معركة عين داره في 1711 وبعدها، مع التحول من المحور القيسي- اليمني الى المحور الجنبلاطي- الارسلاني. كما ان شدّ الحبال في الوسط السني استعاد زخمه مع كسر احتكار التمثيل السائد. وفي السياق عينه، الكلام عن انقلاب حاسم في موازين القوى جراء الانتخابات النيابية فيه الكثير من المبالغات التي تعكس إما عدم إلمام بالواقع اللبناني او انها تأتي في سياق المنحى الرائج في الخطاب السياسي لجهة اعتبار لبنان حالة تُشغل العالم. فلبنان اليوم لم يعد ساحة اشتباك اساسية للنزاعات الاقليمية، خلافا لما كان عليه في زمن الحرب.

الواقع ان الخلافات السياسية والطائفية قائمة و"متعافية"، بمعزل عن الدستور والاعراف، وهي متواصلة بأشكال مختلفة منذ نشوء الدولة وفي المحطات المفصلية منذ الاستقلال الى اليوم. اما ما استجد اخيرا في ما يخص النظام السياسي لجهة قانون الانتخاب الجديد، فيستدعي السؤال عن القيمة التي اضافها هذا القانون، ان بالنسبة الى تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات أو لجهة "تحسين نسل" النظام السياسي. فما الذي تغّير في لعبة السلطة والمناورة والمحاصصة، مع الانتقال من نظام الاقتراع الاكثري الى النسبي، سوى ان العصبيات باتت اكثر حضورا وبمفعول رجعي هذه المرة، من الامارة الى الجمهورية.