Site Visitors Till Now
504191

الهوية اليهودية لـ"دولة اليهود" من الصهيونية إلى الداعشية
الهوية اليهودية لـ"دولة اليهود" من الصهيونية إلى الداعشية 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


الهوية اليهودية لـ"دولة اليهود" من الصهيونية إلى الداعشية

الدكتور فريد الخازن

26 تموز 2018

مع تثبيت القدس عاصمة الدولة اليهودية، تستعيد مسألة الهوية زخمها لتنتقل من هوية شعب ووطن الى هوية الدولة. فمنذ اطلاق الحركة الصهيونية على يد مؤسسها تيودور هرتزل ومنظّرها في كتاب "دولة اليهود" في 1896، واسرائيل مكرّسة وطنا قوميا ليهود العالم. فما الذي استجد اليوم لتأكيد المؤكد، بعد اكثر من قرن على انطلاق الحركة الصهيونية وتحقيق اهدافها بإقامة دولة اعترفت بها الامم المتحدة في 1948 وخاضت حروبا وبنت قدرات عسكرية (ونووية) واقتصادية وازنة واحتلت فلسطين وشرّدت شعبها واقامت علاقات مع الدولة العظمى لا شبيه لها في العلاقات بين الدول.

طَرْحُ هوية الدولة حديث العهد، لم يَرِدْ في اتفاق اوسلو، وهو نتاج مرحلة ما بعد المفاوضات العربية- الاسرائيلية في التسعينات. في الماضي، المطلب الاكثر تداولا تمحور حول حق اسرائيل في الوجود (Israel’s right to exist)، اي الاعتراف العربي باسرائيل، وتوّسع لاحقا ليشمل وعدا باعتراف من الدول العربية مجتمعة في حال ايجاد تسوية مقبولة للنزاع. وهذا ما تضمنه "اعلان بيروت" بمبادرة سعودية في القمة العربية في 2002.

ولكن بعد الاجهاز على السلطة الوطنية والحروب الثلاثة على غزة، ومع بناء الجدار الفاصل مع الضفة، متجاوزا حدود 1967 واداة للاستيلاء على مزيد من الاراضي الفلسطينية، ارتفع سقف المطالب الاسرائيلية التعجيزية للتأكيد على استحالة حل الدولتين. ويأتي ذلك على خلفية المقولة الرائجة، وخصوصا في اوساط اليمين الاسرائيلي والاحزاب الدينية، عن استحالة وجود شريك (partner) فلسطيني في اي تسوية للنزاع. والشراكة المثلى تكون بالقبول الكامل بالشروط الاسرائيلية، وآخرها اخراج القدس الشرقية من الحل النهائي، بعد اسقاط حق العودة، والتسليم بكيان اداري تحت الاحتلال. انه العرض الاسرائيلي الافضل للفلسطينيين، مع وعود بتأمين الدعم الاقتصادي والمالي من دول العالم كلها باستثناء اسرائيل.

لذلك ليس مستغربا ان تخطو اسرائيل خطوة تصعيدية باتجاه القضاء على ما تبقى من مقومات حل الدولتين. فماذا يعني الاعتراف بالهوية اليهودية لدولة هي في صلب تكوينها التاريخي والسياسي والايديولوجي وعلّة وجودها، يهودية، بل وُجدت كحل لمعضلة "المسألة اليهودية" في اوروبا، قبل المانيا النازية وبعدها.اما التفسير فيتطلب فك شيفرة هوية الدولة في ما يخص مواطنيها، ومنهم نحو مليون ونصف من غير اليهود، عرب فلسطين 1948 تحديدا.

المستهدف الاول من قانون هوية الدولة هم الفلسطينيون في اسرائيل الذين يعترفون بدولة اسرائيل ويمتثلون لقوانينها ولهم تمثيلهم في البرلمان واحزابهم. اما هويتهم ولغتهم وبيئتهم الاجتماعية وانتماءاتهم السياسية فلا يمكن ان يحددها قانون الا في حالة من اثنين: الدولة السلطوية التي تفرض ايديولوجيا النظام الحاكم او التمييز العنصري. اما اعتراف العالم فهو قائم منذ 1948 على قاعدة ان اسرائيل وطن قومي يضم يهودا أتوا من الشرق والغرب، وآخرهم يهود الاتحاد السوفياتي سابقا. اسئلة الهوية وشروطها لا تنتهي، فمن يعترف بمن، القوي ام الضعيف، وما الغاية من الاعتراف وكيف يمكن التثبّت منه في الحالة الاسرائيلية أو سواها؟

يبقى ان الهدف الحقيقي من القانون الجديد التأسيس لنظام تمييز عنصري مُقَونن بإسم ديمقراطية الاكثرية اليهودية لحماية اسرائيل من تهديد غير اليهود لهوية متنازع عليها اصلا بين اليهود انفسهم. وهذا يعني عمليا، بحسب القانون، شرعنة التضييق على الفلسطينيين بهدف تهجيرهم من اسرائيل. ففي الضفة والقطاع تبرّر اسرائيل الاحتلال دفاعا عن النفس بوجه الارهاب، او انها تسعى الى تحرير ارض اسرائيل من "الاحتلال الفلسطيني"، بينما الخطر الداهم مصدره داخل اسرائيل، حيث المطلوب التخلّص من السكان الاصليين واستكمال ما لم يتم انجازه في عمليات التهجير الجماعي من دير ياسين الى اليوم. هكذا يكون القانون الصادر بالوسائل الديمقراطية الاداة الفضلى لفرض هوية الدولة اليهودية، إلغاءً لهوية الآخرين.

فمع فائض القوة، نموذج "الابارتيد" في جنوب افريقيا لم يعد يفي بالغرض، بل ثمة نموذجا آخرا من حواضر المحيط الاقليمي. ففي زمن الغطرسة والتطرف، يبدو النموذج الداعشي اكثر جاذبية للانتقال من الصهيونية الكلاسيكية الى الداعشية. فاذا استطاع داعش ان يتحدى العالم باسم الدين والتاريخ وبحدّ السيف، فان نتنياهو قادر ان يتحدى العالم باسم الديمقراطية والقانون والشرعية بإقامة دولة خالية ممن يتكلم العربية، ما لم يردعه أحد وما دام الدعم الاميركي لا حدود له، وهو يملك سلاحا أشد فتكا وتطورا ومقومات صمود لم تكن في متناول الدولة الداعشية.