Site Visitors Till Now
530867

المقاصة السورية من تصفية الحسابات إلى تحديد الأدوار
المقاصة السورية من تصفية الحسابات إلى تحديد الأدوار 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


المقاصة السورية من تصفية الحسابات إلى تحديد الأدوار

الدكتور فريد الخازن     

2 آب 2018

في سوريا، مقاصة متحركة تُنبئ بمرحلة جديدة، بعد سلسلة حروب نقلت البلاد من دولة قرارها بيدها الى قرار تتجاذبه "فيتوات" الحلفاء والاعداء. فبعد مناطق خفض التصعيد الملتبسة ومسارات جنيف وأستانة، جاء دور ترسيم حدود محاور النفوذ والسلطة، في الداخل ومع الخارج، وخصوصا على الحدود الشمالية والجنوبية.

في الشمال، بعد اندحار داعش، اقامت تركيا خطوط تماس تخدم مصالحها مع مناطق الاكراد، بتسهيل ممّن يهمه الامر. وفي الجنوب المسألة اكثر تعقيدا، حيث مصالح اطراف النزاع متشابكة. ففي الجولان المحتل، مشروع عودة الى ما يشبه اتفاق "فك ارتباط" (disengagement) العام 1974 بين الجيش السوري والجيش الاسرائيلي. ديبلوماسية "الخطوة خطوة" التي اطلقها وزير الخارجية الاميركي هنري كيسنجر بعد حرب 1973 اعطت ثمارها على الجبهتين السورية والمصرية. ففي حين استُكملت المفاوضات بين مصر واسرائيل، بعد "فك ارتباط" ثانٍ في 1975، لتنتج اتفاقية "كمب ديفيد" بدعم من الرئيس كارتر، فان وقف اطلاق النار برعاية دولية في الجولان تم الالتزام به، بلا اي خرق  حتى العام 2011، وبات مثالا يحتذى بين دولتين في حالة حرب لم تنتهِ.

اما فك الاشتباك اليوم فيأتي برعاية روسية وموقف اميركي يُرضي اسرائيل. فلا حدود آمنة تسلّم بها اسرائيل الا مع الدولة السورية وبضمانة دولية معزّزة بمشاركة روسية. هكذا يظل الجولان ارضا محتلة، وان ضمّتها اسرائيل في 1981، ولكن بلا وجود عسكري ايراني مباشر او حليف. وبعد وضع حدّ للجماعات التكفيرية المسلحة، معادلة شبيهة تنطبق على الحدود بين سوريا والاردن. فالبديل من المعادلات المطروحة، مواجهات عسكرية او توتر دائم لا يخلو من احتمال التفلّت المكلف.

وفي ظل موازين القوى غير الحاسمة لاي من اطراف النزاع، ثمة ارادة غير معلنة لتجنّب الاشتباك العسكري الواسع في الجولان. هذا مع العلم ان الشروط الاسرائيلية والايرانية لا تزال مدار بحث بواسطة موسكو، التي تراهن بدورها على استقرار سوريا وبمضامين سياسية لم تتحدد بعد، وهي لا تقل تعقيدا عن المسائل الخلافية الاخرى.

في الداخل السوري معادلات من نوع آخر، عنوانها حدود السلطة ومفاعيلها في ضوء ما افرزته حروب السنوات الأخيرة. وعلى رغم ان الدولة استعادت مواقعها والنظام بات اكثر قدرة وفاعلية والمعارضة تتجاذبها التناقضات والصراعات، فان التسوية السياسية لا تزال في دائرة الاخذ والرد بين الدول الكبرى والدول الاقليمية النافذة. مصالح روسيا حيوية في سوريا، ولاسيما بعد التدخل العسكري الحاسم في 2015، وكذلك هي مصالح ايران واسرائيل وتركيا، لاسباب مختلفة. اما الولايات المتحدة فلها مصالح رديفة في سوريا وموقفها عرضة للتبدّل جراء التحولات غير المحسوبة في السياسة الخارجية لترامب في المنطقة والعالم.

المقاصة الدولية اطلّت برأسها في قمة هلسنكي بين الرئيسين الاميركي والروسي. ثمة حاجة اميركية الى دور روسي ناظم في سوريا، الا اذا قررت واشنطن التدخل عسكريا بشكل واسع، بعد تأمين التمويل الخليجي، والامران مستبعدان. في المقابل، ترى موسكو في النزاع السوري مدخلا لتسوية في اوكرانيا مع واشنطن والاتحاد الاوروبي. اما ايران، فلها مصالح استراتيجية، داخلية واقليمية، وهي تعوّل على الدور الروسي، صلة الوصل المتاحة مع اسرائيل. الواقع ان موسكو هي "بيضة القبان" في المقاصة السورية بما لها من نفوذ وتأثير على الجهات المحلية والاقليمية والدولية.

بعد الحرب على الارهاب واستكمال الحروب الجوّالة، انتقل النزاع من تصفية الحسابات الى تحديد الادوار في حركة مقاصة بلا ضوابط واضحة. لعل السمة الابرز للنزاع السوري في المرحلة الراهنة الانتقال من محاصصة الساحة المفتوحة الى محاصصة السلطة والنفوذ في مناطق محددة، خصوصا ان الخطوط العريضة لكل من حالتي النزاع والتسوية باتت معروفة، وان بنتائج غير محسومة.

فعندما تتأمن مصالح الجهات المتنازعة، في الداخل ومع الخارج، يكون النزاع قد وُضع على سكة التسوية الممكنة. بدأت الحرب في سوريا بهدف اسقاط ما يمكن اسقاطه لحساب هذا الطرف او ذاك، والمطلوب الآن إسقاط الحلول الملائمة في مربّعات المقاصة المتاحة في ظل اوضاع اقليمية مضطربة وسياسة دولية خارجة عن المألوف.