Site Visitors Till Now
494371

تركيا بين "الحدود العاطفية ولاحدود السلطة الرئاسية"
تركيا بين "الحدود العاطفية ولاحدود السلطة الرئاسية"
define naltrexone naltrexone 4.5 how long will naltrexone block opiates
 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


تركيا بين "الحدود العاطفية"

ولاحدود السلطة الرئاسية

النائب د.فريد الخازن

20/4/2017

الاستفتاء الذي حسم المعركة في تركيا لمصلحة الرئيس رجب طيب اردوغان بفارق لا يتجاوز 2 في المئة من الاصوات يضع البلاد ومستقبلها على المحك. فالمسألة تتجاوز تعديل النظام السياسي من برلماني الى رئاسي لتصل الى حد الاستئثار الكامل بالسلطة في مجتمع منقسم لا حول سياسات الرئيس فحسب بل حول شخصه وطموحه الجارف. الانظمة الرئاسية الديمقراطية تخضع لرقابة مجلس النواب ولا تعطي الرئيس تفويضا مطلقا وصلاحيات شاملة في شؤون الحكم، خلافا للحالة التركية. والاستفتاء يكون عادة بهدف تعزيز الديمقراطية، اي الاحتكام الى الشعب للحدّ من تسلط الحاكم او النظام وليس بغرض الاستئثار بالسطة، مثلما هي غاية الاستفتاء في تركيا.

فاذا صح القول ان للشبه أربعين، فلا شبه منظورا لسياسات اردوغان. فهو لا يسعى فقط الى مزيد من السلطة داخل البلاد بل ايضا خارجها. ليس مستغربا ان يسعي الحاكم الى التحكم بالسلطة وان يهادن الخارج او لا يكترث به. اما في الحالة الاردوغانية فمشروع السلطة لا فصل في حدوده بين الداخل والخارج.

في الداخل يسعى الرئيس التركي الى شخصنة الحكم والنظام. وخلافا لشعوب الربيع العربي، الشعب في تركيا لا يريد اسقاط النظام بل اسقاط معارضيه. الانقلاب العسكري الفاشل منذ بضعة اشهر سهّل مهمة الرئيس في التخلص من معارضيه، اتراكا واكرادا، علمانيين واسلاميين. اما مع الخارج فالمسألة اكثر تعقيدا. سوريا، قبلة اردوغان منذ اليوم الاول للنزاع الذي ازداد عنفا بسبب دعم انقرة للتنظيمات التكفيرية. وفي اسطنبول استقر بعض اطراف المعارضة السورية، ولاسيما منهم أركان "الاخوان المسلمين"، الاقرب الى اردوغان، سياسة وفكرا. ومع الاتحاد الاوروبي اخذ الصدام مداه، تهديدا وابتزازا بالمال واللاجئين ووصل الى حد اتهام اردوغان المانيا وهولندا بالنازية بعد رفضهما تحويل ساحات مدنهما منابر خطابية دعما لطموحاته. وقع الصدام ايضا مع روسيا، وقبلها مع اسرائيل وعادت العلاقات الى طبيعتها. ولم تسلَم العلاقات بين واشنطن وانقرة من التوتر وانقطعت العلاقات مع مصر التي اتهمت تركيا بدعم المتطرفين الاسلاميين في سيناء، بينما ظلت العلاقات مع ايران منتظمة، وان اعترتها شوائب عابرة.

النموذج الاقرب الى الحالة الاردوغانية خارج حدود البلاد سياسات صدام حسين الذي لم يدّع الديمقراطية ولم يكن بحاجة الى تعديل النظام المعسكر، الا انه حاول التوسع في كل الاتجاهات وفشل. حرب العراق مع ايران في الثمانينات انتهت بمعادلة فرضتها الدول الكبرى وساهمت في اعطاء الثورة الاسلامية مناعة وزخما، واجتياح الكويت نتج منه محاصرة النظام العراقي وتصدّع وحدة البلاد. صدام حسين حصّن الجبهة الداخلية قبل مغامراته الخارجية، بينما اردوغان يحارب على جبهتي الداخل والخارج في آن واحد.

لعل الثابت في مشروع الرئيس التركي يتجاوز السلطة والتسلّط ليصل الى حدّ تقويض مبرمج لركائز الدولة العلمانية. والغاية غير المعلنة (الى الآن) اسلمة الدولة بعد المجتمع، وان تركت بعض بصمات النظام العلماني اثرها في المولود العتيد. فالمشروع الاسلامي بالنسبة الى حاكم حزب العدالة والتنمية الحاكم قد يشكل جسر عبور الى العالم العربي والاسلامي. وهذا غير ممكن بالضربة القاضية أو بالفرض العسكري.

لم يحصل ان انتقلت الدولة والمجتمع في بلد ذي اكثرية مسلمة من نظام علماني متكامل الى الحكم الاسلامي. في تونس، حيث للعلمانية جذور وحضور، استعادت البلاد توازنا جديدا، بعد سقوط النظام، بتوافق طرفي المعادلة في السلطة. وفي ايران، نظام الشاه لم يكن اسلاميا بالطبع ولا علمانيا، مثلما هو النظام الذي اقامه مصطفى كمال (اتاتورك)، مؤسس الدولة المعاصرة.

في مطلع القرن العشرين، انطلقت "تركيا الفتاة"، حركة اعتراض باسم القومية التركية بمواجهة السلطان ومهدت الطريق لقيام دولة ما بعد السلطنة بقيادة اتاتورك. "تركيا فتاة" جديدة يطلقها اردوغان جامعا بين عصبيتين، قومية ودينية، ومناقضا بالتالي أسس الدولة التي ارساها اتاتورك وَمَن سبقه في "جمعية الاتحاد والترقي" بعد انقلاب 1908. اليوم يأتي الرئيس اردوغان ليستعيد "الحدود العاطفية" من "القرم الى القوقاز وحلب والموصل"، متصديا لكل من يحاول "تحديد دولتنا وامتنا ب 90 عاما"، على حد قول اردوغان في تشرين الثاني الماضي في ذكرى رحيل اتاتورك. كلام الرئيس هذا جاء قبل الاستفتاء، اي في مرحلة الصلاحيات المحدودة. اما اليوم فالمعادلة مختلفة ومعها الاوهام والاحلام.

مشروع اتاتورك في عشرينات القرن الماضي انشاء كيان دولة بحدود ممكنة، تضع حدا للتراجع بعد هزيمة السلطنة في الحرب العالمية الاولى. اما "تركيا فتاة" اردوغان فتحاول ان تستبدل العلمانية بالاسلمة وسلطان الامبراطورية بسلطان الجمهورية وبطموح امبراطوري لم يعد مستورا.