Site Visitors Till Now
494411

محاور تجارب واختبار اميركا والسعودية وايران
محاور تجارب واختبار اميركا والسعودية وايران 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


محاور تجارب واختبار

اميركا والسعودية وايران

النائب د.فريد الخازن

مسائل النفوذ والسلطة في المحور المثلث الاطراف، اميركا والسعودية وايران، في دائرة التجارب والاختبار، حيث تتداخل المصالح وتتناقض الغايات. في هذا المحور، وجدت ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب ضالتها في الاتجاهين: في حملة التصدي لايران ما بعد اتفاق فيينا وفي تعزيز العلاقات مع السعودية ودول الخليج. السعودية ايضا وجدت ضالتها في ادارة اميركية مهيأة سياسيا لصدام، مكتمل الذرائع، مع طهران. وايران بدورها وجدت ضالتها في الاتجاه المعاكس، فهي ملتزمة تنفيذ اتفاق فيينا والسير بخطوات ثابتة في اتجاه المصالحة مع المجتمع الدولي، ولاسيما منه الدول الكبرى. اما اسرائيل فهي الطرف غير المعلن في المحور المفترض. اسرائيل وايران في عداء معلن منذ عقود، واسرائيل تعوّل على واشنطن لمواجهة ايران وتضرب على الوتر الحساس في ما يخص دول الخليج وأمنها.

السلاح النووي ذريعة جاذبة، لكن ما من جهة تستطيع استعمال السلاح النووي وتحمّل تبعاته. حتى كوريا الشمالية، الخارجة عن المعايير المألوفة في العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة، تناور وتهدّد لكن من غير ان تصل الى حد استعمال السلاح النووي والتسبّب بافتعال ابادة جماعية. استعمال السلاح النووي في سياق حروب مشتعلة بحجم الحرب العالمية الثانية شيء، مثلما فعلت اميركا في اليابان، واللجوء الى النووي لاغراض توسعية في زمن السلم شيء آخر. اسرائيل تمتلك قدرات نووية عسكرية منذ الخمسينات، وخاضت حروبا طاحنة لم يكن للسلاح النووي اي دور فيها.

صراع نفوذ بالادوات السياسية والعسكرية التقليدية يسود المحاور الساخنة في المنطقة. صراع مزمن بين السعودية وايران لاسباب تاريخية واقليمية وسياسية وبأبعاد دينية. في زمن الشاه، طهران والرياض كانتا في معسكر واحد الى جانب الولايات المتحدة بمواجهة الاتحاد السوفياتي. ايران الشاه تعاملت مع جيرانها العرب كدولة عظمى، والسعودية كانت في صراع نفوذ مع خصومها العرب وفي الدائرة الاسلامية الاوسع.

مع الثورة الاسلامية في ايران تبدلت المعادلة الاقليمية، خصوصا بعد الحرب العراقية- الايرانية وتداعياتها. صدام حسين ذهب بعيدا في اجتياح الكويت وتهديد امن دول الجوار واستقرارها، السعودية تحديدا. وبعد حرب تحرير الكويت وبداية تفكك العراق، تلاشى الفاصل الجغرافي والسياسي وحتى الامني بين السعودية وايران وبات الدعم الاميركي حاجة للاستقرار في الخليج العربي. لم تخف طهران سعيها "لتصدير" الثورة الى دول المحيط، ولم تخف الرياض معارضتها، خصوصا مع بروز محاور جديدة تجاوزت خطوط التماس التقليدية لتصل الى السياق المذهبي. وزادت في الطين بلة حركة اسامة بن لادن العائد من افغانستان لمواصلة "الجهاد" داخل السعودية لاسباب غير مرتبطة بالعلاقات المأزومة بين السعودية وايران.

الاجتياح الاميركي للعراق قلب موازين القوى رأسا على عقب. ومع استكمال انسحاب الجيش الاميركي في 2011، بعد حروب ضارية، باتت ايران صاحبة النفوذ الاكبر في العراق. وجاءت المصالحة بين ايران والدول الكبرى في السنوات الاخيرة بدعم من الرئيس اوباما لتضع السعودية في موقع صعب بعد عقود من التعاون الوثيق في كل المجالات بين واشنطن والرياض. وجاءت حرب اليمن، في بعض جوانبها، ردا على التقارب الاميركي- الايراني، وسرعان ما تحول اليمن ساحة استنزاف عسكري و"عاصفة حزم" بلا قدرة على الحسم.

تُظهر واشنطن اليوم تأييدها للسعودية في النزاع اليمني وجهوزية للدعم العسكري والامني. وهذا بلا شك مصدر اطمئنان للقيادة السعودية، الا انه لا يبدل بالضرورة في الاوضاع المتردية في اليمن او في الواقع الاقليمي المأزوم. وفي المقابل ثمة اعادة تموضع اميركية في سوريا تعززها علاقة ملتبسة بين الرئيسين الاميركي والروسي. وفي الحالات جميعها حقول اختبار متحركة، الاكثر ثباتا بين اطرفها ايران، بينما الادارة الاميركية تتجاذبها الاجنحة والاجندات، مثلما هي حال السعودية، لاسباب غير مرتبطة مباشرة بالمحاور الاقليمية. اما المقايضات بين نزاعات المنطقة فالطريق لاتمامها غير نافذ ويتجاوز قدرات اطرافها الاقليميين. روسيا استرجعت بعض نفوذها عبر الانخراط في النزاع السوري، واميركا تستعيد بعض مواقعها عبر لعبة حافة الهاوية مع طهران.

تمدّد نفوذ ايران الاقليمي بدأ في الثمانينات في اي مكان متاح وانتج تحالفا استراتيجيا مع سوريا، بينما السعودية انشغلت بحروب صدام حسين وتراجع الاوضاع العربية وبتقلبات السياسة الاميركية. حقبة جديدة بدأت ملامحها تظهر في محاور هي أشبه بحقول تجارب واختبار، أي بلا نتائج مضمونة، تريح ولا تشفي، تؤجل ولا تحسم، ومع ادارة اميركية تعتمد سياسة Trial and Error، وفي مرمى نارها، عن قصد او عن غير قصد، الحليف كما العدو. ولكل خطوة اميركية دفاتر شروط ومدقق حسابات. وتجارب الماضي القريب ماثلة في الاذهان.