Site Visitors Till Now
403659

قانون الانتخاب العتيد والقانون العنيد
قانون الانتخاب العتيد والقانون العنيد 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


قانون الانتخاب العتيد والقانون العنيد

النائب الدكتور فريد الخازن

25 أيار 2017

 

محركات البحث عن قانون الانتخاب العتيد متعثرة. فمع استنفاد الصيغ المطروحة، وبعد مشاورات مكثفة كشف فيها الاطراف السياسيون أوراقهم، الظاهر منها والمستور، ضاقت هوامش وتوسعت أخرى، والقانون في حال مراوحة الى حين. ومع كل حين يزداد الحنين الى قوانين خبرها اللبنانيون واعتادوها. 

في المقابل، تم التعامل مع نظام الاقتراع النسبي بصفتين: صفة gadget، اي "بدعة" جديدة تحاكي العصرنة، وصفة أخرى أكثر دلالة تحولت فيها النسبية الى شعار، فتم تظهيرها وكأنها الدواء الشافي لامراض الدولة والمجتمع، ومن لا يسلك هذا الطريق بشروط مريديه يهلك. ففي حين ان النسبية أكثر عدالة في التمثيل من النظام الاكثري، الا انها لا تضع حداً للمال الانتخابي أو للهدر والفساد، ولا تبدّل قناعات الناس وانتماءاتها. النسبية ليست اختراعاً لبنانياً بل وسيلة اقتراع معتمدة في دول ومجتمعات لها أنظمتها السياسية وبيئاتها المجتمعية. وبمعزل عن توصيفاته الملبننة، نظام الاقتراع النسبي يرتبط بالدوائر الانتخابية والصوت التفضيلي والعتبة وبطريقة احتساب كسور الاصوات في نسب اللوائح المتنافسة. أي انه آلية متكاملة تستند الى تفاصيل ولكل تفصيل منها تفضيل.

كما ان قانون الانتخاب ليس وصفة لالغاء الطائفية السياسية، بل قد يزيدها حدّة اذا شعرت "المكونات" انها مستهدفة. أما الهواجس فجاء التعامل معها استنسابيا. هواجس مشروعة لا بد من مراعاتها وأخرى تُلصق بها التهم وتوسم بالطائفية، مثلما هي حال التحالفات السياسية: تحالفات مشروعة لاهداف سامية، وأخرى تصوّر وكأنها مشاريع حروب مؤجلة.

المسألة اليوم تتجاوز تقنيات نظام الاقتراع لتشمل المعادلة السياسية القائمة ومواقع أطرافها. تموضعات جديدة اطلقتها الانتخابات الرئاسية، والمعارك السياسية لم تنته فصولاً. ولا بد من الاشارة الى ان صانعي قانون الانتخاب هم القوى السياسية في البلاد وليس خبراء مستوردون. يصحّ الكلام عن الخبراء في دول انتقلت حديثاً الى الديموقراطية والتنافس السياسي، أي تلك التي يحكمها الحزب الواحد أو القائد المعصوم، مثلما كان حال عراق صدام حسين أو دول أوروبا الشرقية في مرحلة الحرب الباردة.

أما في لبنان فالتجارب الانتخابية تعود جذورها الى المتصرفية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. انتخابات 1943 انتجت الاستقلال. وانتخابات مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت نماذج عدة من تدخل السلطة وحيادها. بإيجاز، انتخابات الستينات كانت أكثر تمثيلاً ونزاهة من انتخابات الخمسينات. وانتخابات 1972، الاخيرة قبل اندلاع الحرب، كانت الأفضل من حيث حياد السلطة وأدت الى انتخاب أكثر من ثلث اعضاء المجلس للمرة الاولى، والبعض منهم من خارج الإصطفاف السياسي التقليدي. وفي الانتخابات الفرعية في 1974 فاز المرشح المدعوم من الامام موسى الصدر على منافسيه المدعومين من قوى سياسية نافذة. أما قانون الانتخاب فكان اداة تأثير لغايات سياسية وخصوصاً في عهد الرئيسين بشارة الخوري وكميل شمعون وثَبُت في عهود الرؤساء شهاب وحلو وفرنجيه في أربع دورات انتخابية. التلاعب المفضوح جاء في قوانين انتخاب مرحلة ما بعد الحرب، وكانت الانطلاقة بتعيين سلطة الوصاية أكثر من ثلث أعضاء مجلس النواب في 1991 قبل بضعة أشهر من انتخابات 1992. وأما قانون 2008 فجاء في اطار تسوية لأزمة عصفت بالبلاد وشارك في احتوائها بعض الدول الاقليمية.

اكتمل المشهد السياسي اليوم بكل مكوناته، فلا اقصاء ولا تغييب ولا استهداف، واطراف الخارج المؤثرون عادة في الشأن اللبناني لديهم ما يكفي من حروب وأزمات. المرة الاخيرة التي اعتمد فيها اللبنانيون قانون انتخاب بقواهم الذاتية في 1960. وهذا القانون أخذ في الاعتبار توازنات تلك المرحلة في سياق احتواء تداعيات أزمة 1958، ومن اسبابها انتخابات 1957.

الخريطة السياسية الراهنة تبدلت عما كانت في مراحل سابقة. قوى سياسية جديدة برزت في معظم الطوائف - المكونات وأخرى تراجعت لأسباب تختلف بين حالة واخرى. النظام السياسي تغير ومعه المسائل الخلافية وأولويات الناس، والمحيط الاقليمي في خضمّ تحولات غير مسبوقة. قوانين الانتخاب لا بد ان تتغير لتعكس التحولات التي طرأت على مستوى الدولة والمجتمع. ثمة من يسعى الى تصحيح الخلل بوسيلة قانون الانتخاب وثمة من يريد ابقائه. الا ان ركائز قوانين الماضي لا تزال "حية ترزق". وظائف قانون الستين المعدل في 2008 انتهت، باستثناء وظيفة واحدة، قد تشكل مخرجاً ممكنا ًلأزمة لن يسلم من ضررها أحد في مؤسسات الدولة وخارجها، فتضيع الانتخابات بأكثرية ناخبيها وتعلو "الاصوات التفضيلية" من أجل استغاثة لن تأتي. قانون الأمر الواقع منبوذ، إلّا انه صامد وعنيد وقد يلامس المفيد ما دامت البدائل حدها الأدنى سيئ والأعلى أسوأ.