Site Visitors Till Now
477647

النزاع العربي - الإسرائيلي الحل المستحيل
النزاع العربي - الإسرائيلي الحل المستحيل 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


النزاع العربي - الإسرائيلي الحل المستحيل

النائب الدكتور فريد الخازن

15 حزيران 2017

من الرياض الى تل ابيب، طريق الرئيس الاميركي دونالد ترامب غير سالكة لايجاد الحلول للنزاع العربي - الاسرائيلي، على رغم الكلام على مبادرات أميركية، تفتقر عمليا الى الحد الادنى من مقومات النجاح. الظروف غير مواتية لاطلاق مبادرة سلام عربية - اسرائيلية بين طرفي النزاع الاساسيين، الفلسطينيين واسرائيل، ولا على المستويين العربي والدولي. عناصر الحل وآلياتها معطلة. 

في كل العهود الرئاسية الاميركية، منذ نشوء دولة اسرائيل في 1948، كان ثمة امكان، ولو نظرياً، ان تكون الولايات المتحدة قاطرة لتسوية النزاع، الا اليوم. بين رؤساء أميركا منذ ترومان في الاربعينات، دونالد ترامب هو الاقل قدرة وجهوزية وإلماما بالنزاع العربي- الاسرائيلي والاكثر التصاقا بالموقف الاسرائيلي الاكثر تشدداً ورفضاً لأي تسوية، وهو في بداية ولايته الرئاسية لا في نهايتها. كما ان اسرائيل في اقصى تطرفها وعنصريتها ونفوذها أميركياً منذ 1948 الى اليوم. في المقابل، الفلسطينيون في حالة من الضعف والتشرذم بلغت درجات غير مسبوقة منذ قيام منظمة التحرير الفلسطينية في 1964. والاوضاع العربية لا تقل سوءاً مع تعطل النظام الاقليمي العربي، فلكل دولة هموم وأولويات، يحتل فيها النزاع العربي - الاسرائيلي المراتب الدنيا. والملحّ الآن "مبادرة سلام" لوضع حد للنزاع السعودي - القطري ولتداعياته الاقليمية. أما على المستوى الدولي فيأتي الارهاب وازمة اللاجئين في صدارة الاهتمامات.

المبادرة الاخيرة، الجادة والشاملة، لايجاد تسوية للنزاع العربي - الاسرائيلي انطلقت مع الرئيس جورج بوش الاب في مؤتمر مدريد في تشرين الاول 1991. وأتت على خلفية تطورات بدّلت موازين القوى لمصلحة الولايات المتحدة: انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي وحرب تحرير الكويت التي قادتها الولايات المتحدة بدعم عربي ودولي، والتراجع الذي أصاب منظمة التحرير الفلسطينية جراء تأييد ياسر عرفات النظام العراقي في غزوه للكويت. سعى الرئيس بوش الى توظيف زخم التحولات الدولية والاقليمية للضغط على اسرائيل للدخول في مفاوضات مباشرة مع العرب. اسرائيل آنذاك، بقيادة حزب الليكود ورئيس الحكومة اسحق شامير، رفضت المبادرة الاميركية ومارست واشنطن ضغوطاً كبيرة لحملها على المشاركة في مؤتمر مدريد الذي اطلق المفاوضات حتى 2000. ونتج منها اتفاق اوسلو ومعاهدة سلام بين الاردن واسرائيل في 1994.

اتفاق أوسلو في 1993 بدّل المعطيات جميعها وفتح باب المفاوضات الجدية والهادفة، بعدما ساد حوار الطرشان مفاوضات واشنطن بين عامي 1991 و 1993. وفي اسرائيل جاء حزب العمال الى الحكم بقيادة اسحق رابين، واغتيل لاحقا بسبب سياسته المؤيدة للتسوية وان بشروط اسرائيلية. بالمقارنة، اسرائيل اليوم تحكمها القوى السياسية الاكثر تطرفاً منذ ديفيد بن غوريون، وهي ترفض علناً التسوية على أساس حدود 1967 وكل المطالب الفلسطينية التي طرحت في مفاوضات التسعينات، خصوصا في اجتماع طابا في 2000 عشية اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اطلق أرييل شارون شرارتها.

العرض الاسرائيلي الاكثر سخاء اليوم: كيان اداري تحت القبضة الاسرائيلية مقابل اعتراف فلسطيني بالهوية اليهودية لدولة الاحتلال. معادلة الارض مقابل السلام منذ قرار مجلس الامن 242 في 1967 باتت اليوم معادلة الارض المحتلة بلا سلام. ومن مسلّمات المرحلة الراهنة ان النزاع العربي - الاسرائيلي - الفلسطيني يستعصي على الحلول، وما يمكن تحقيقه لا يتجاوز الحدّ من ضرر الاحتلال وابقاء امكان حل الدولتين بحدود 1967.

الخيارات المتاحة محدودة مع يمين اسرائيلي رافض لاي حلّ ورئيس اميركي غير قادر على معالجة التباينات المتفاقمة داخل ادارته ومع حزبه، فضلاً عن معارضيه الكثر. وأوروبا، الأكثر تفهماً للموقف الفلسطيني وتوازنا في مقاربتها للحلول الممكنة، منشغلة بمواجهة تفكك الاتحاد الاوروبي ومعالجة الازمات الداخلية، والدول الاوروبية المؤثرة ليست على علاقة سوية مع واشنطن. أما اقليمياً فالمسائل الضاغطة تتمثل بالتصدي لايران وبمحاور النزاع السعودي - القطري - المصري، اضافة الى تثبيت مواقع السلطة في الداخل.

لم يعد النزاع العربي - الاسرائيلي مسألة ضاغطة اقليمياً ودولياً، ولا حتى اسرائيلياً. وفي فلسطين لم يعد الاحتلال الهم الجامع لتوحيد الصف الفلسطيني في مواجهة المحتل. ثمة تعب (fatigue) من النزاع العربي- الاسرائيلي، وهو لا يهدّد السلم الاقليمي ولا السلام العالمي ولا طبعاً المصالح الحيوية للدول الكبرى. فلا حاجة بالتالي الى استنفار دولي لحلّه، وكل طرق التسوية موصدة. ومع رئيس أميركي غالباً ما يعتمد سياسة حافة الهاوية، بينما النزاع المطلوب حلّه في قعر الهاوية، تستحيل الحلول ولا يبقى سوى المعجزات.