Site Visitors Till Now
493738

بين السعودية وقطر صراع نفوذ وأجيال
بين السعودية وقطر صراع نفوذ وأجيال 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


بين السعودية وقطر صراع نفوذ وأجيال

النائب د.فريد الخازن

6 تموز 2017

لولا التبدل في موازين القوى الذي احدثته الثورة الاسلامية في ايران في انطلاقتها المدوية، لما كان مجلس التعاون الخليجي رأى النور في التوقيت والغايات التي أدت الى انشائه في 1981. ولولا الموقف من ايران اليوم، لما كان الشرخ داخل مجلس التعاون الخليجي والازمة المتفاقمة بين قطر والسعودية وبروز محاور تجاوزت منطقة الخليج لتصل الى مصر وتركيا. 

بين السعودية وقطر ودول الخليج من المشترك ما ليس قائما بين دول أخرى: في التاريخ والجغرافيا والانظمة السياسية والمجتمع، اضافة الى ما تختزنه الارض من ثروات وما هو ظاهر فوق سطحها من خيرات. وبين السعودية وقطر صراع أدوار وأحجام انطلق مع وصول جيل جديد الى السلطة في قطر منتصف التسعينات ويتواصل اليوم مع جيل جديد بات مؤثراً في القرار السعودي برعاية الملك ودعمه. فإلى العوامل السياسية والموقف من ايران، صراع نفوذ من جيل الى آخر في مراكز السلطة والقرار.

التوتر في العلاقات بين الرياض والدوحة ليس جديداً، الّا ان للازمة الراهنة تداعيات مقلقة في زمن التحولات الاقليمية والدولية غير المسبوقة. موقف قطر ليس داعماً لايران في المطلق، الا انه ليس داعماً لموقف الرياض من طهران. ولقطر طموحات تتجاوز حدود الدور المتاح في المحيط الخليجي وعلاقات، المعلن منها والمستور، في اتجاهات متناقضة. فبالنسبة الى السعودية، ايران عدو مشترك لدول الخليج، يقابله موقف قطري مغاير وآخر خليجي لا يلتقي بالضرورة مع موقف كل من الرياض والدوحة.

وللنزاع الآن متنفس على غير جبهة مشتعلة في المنطقة، مضافة اليه ادارة أميركية تبحث عن تموضع اقليمي جديد، بعد سلسلة انتكاسات بدأت في العراق مع الرئيس جورج بوش الابن واستمرت مع التوتر الشديد في العلاقات السعودية - الاميركية في عهد الرئيس باراك أوباما. جرعة دعم اعطتها زيارة الرئيس دونالد ترامب للسعودية وموقف أميركي ملتبس من الازمة القطرية - السعودية، اذ لواشنطن علاقات مميزة مع طرفي النزاع. فباستثناء ايران، جميع الاطراف المعنيين بالأزمة الراهنة تربطهم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة. وعلى أرض قطر، القاعدة الجوية الاميركية الاهم في المنطقة، وبين واشنطن والرياض علاقات استراتيجية لم تنقطع منذ ما يزيد على نصف قرن. وهذا يعني ان التسوية الممكنة ممرّها الالزامي واشنطن.

فمع انتقال محاور النفوذ في النظام الاقليمي العربي من المشرق ومصر الى الخليج، تبدل المشهد الاقليمي وبات الدور السعودي محورياً في غير اتجاه. تتحرك السعودية كدولة كبرى، مؤثّرة في محيطها الاقليمي، وهي كذلك على كل المستويات، ولا رغبة لدى قيادتها في التسويات المعهودة، الا ان الترجمة العملية لهذا النفوذ يصطدم بمعارضة اقليمية، خليجية تمثلها قطر وأخرى أشد وطأة تقودها ايران. وعندما يتقاطع المحوران تصل الاوضاع الى حدّ الصدام والقطيعة الكاملة، مثلما هي الآن.

هذا الواقع هو نتاج التحولات التي شهدتها منطقة الخليج العربي والجوار منذ مطلع الثمانينات، بدءاً بالثورة الايرانية والحرب العراقية- الايرانية، مروراً بالغزو العراقي للكويت وحرب تحرير الكويت، وصولاً الى الغزو الاميركي للعراق في 2003. تحولات غير مسبوقة في فترة زمنية قصيرة اسقطت دور العراق كدولة عازلة (buffer state) بين الرياض وطهران، وبات الصدام مباشراً بين الطرفين، وما لهذا الواقع من تداعيات سياسية مُمَذهبة تجلّت في اماكن مختلفة. ومع دخول مصر في المواجهة الى جانب السعودية وتركيا الى جانب قطر، اكتمل المشهد الاقليمي المأزوم، وفي طياته المواقف المتباينة، من "الاخوان المسلمين" المدعومين من انقرة وهي في قطيعة مع القاهرة، فضلاً عن التنظيمات الاسلامية المتطرفة التي تدعمها قطر، بحسب الرياض. هذا التداخل في المواقف ومحاور النزاع والاتهامات، بمعزل عن طبيعتها ومدى صدقيتها، كافية لاحداث ازمات حادة ليس فقط بين قطر والسعودية بل أيضاً في مجلس التعاون الخليجي المعطل.

لن تصل الازمة الى حدّ المواجهات العسكرية، الا انها تأتي في ظل التوتر الحاد في العلاقات الاميركية - الايرانية لاسباب غير مرتبطة مباشرة بدول الخليج وخلافاتها. واشنطن في مواجهة مع ايران وتتهمها بالارهاب والاشتباك معها على خلفية اتفاق فيينا. والسعودية في مواجهة مع ايران التي وصل نفوذها الى عدد من دول المنطقة وعلى الجبهات العسكرية في اليمن وسوريا والعراق.

"عاصفة حزم"، سياسية هذه المرة، لاستعادة المبادرة ولرسم حدود النفوذ والاحجام. الا انها تهدّد الاستقرار السياسي والاقتصادي للمنطقة ومستقبل مجلس التعاون وعلة وجوده، وهو النموذج المتقدم في المنطقة في علاقات التكامل بين دول ومجتمعات متجانسة. صراع مواقع ونفوذ وقوى متناحرة من أجل الاعتراف بالدور والمكانة، اعتراف تسعى اليه السعودية وقطر، وتركيا وايران وسواهما لا في الخليج فحسب بل على امتداد ساحات الاشتباك الدائر بكل الوسائل المتاحة.