Site Visitors Till Now
403732

النزوح السوري والمصلحة اللبنانية
النزوح السوري والمصلحة اللبنانية 
 

Print
Submit Article to a friend
 

 


النزوح السوري والمصلحة اللبنانية

النائب د.فريد الخازن

20 تموز 2017        

لنتخيل للحظة ان أزمة النزوح السوري في لبنان حصلت في التسعينات في زمن تلازم المسارين، فكيف كان سيكون المشهد في لبنان؟ اما ونحن اليوم في زمن آخر، المواقف تبدلت كما الغايات. لا تفاوض مع الحكومة السورية في مسألة عودة النازحين الى بلادهم، يقول البعض، لان في ذلك اعترافاً بالنظام. فمع من نتفاوض اذا؟ مع المجتمع الدولي، أي الامم المتحدة التي تسعى الى ابقاء النازحين في لبنان أطول مدة ممكنة والى توطينهم اذا استطاعت. لعل الذريعة الفضلى التي يمكن ان يقدمها لبنان الى المجتمع الدولي هي عدم اتخاذ المبادرة في ملف النازحين، فلا تبقى المسألة معلقة في أحسن الاحوال أو تحت رحمة الدول الكبرى في أسوئها، أي الى ما بعد الحل السياسي للنزاع السوري، وهذا ليس متاحاً في المدى المنظور. ازمة النازحين لم يسببها لبنان، الا انه لا يجوز ان يكون مشاركاً في تفاقمها وعلى حسابه. عبء ازمة النازحين يتحمله لبنان في الدرجة الاولى، أي المجتمع المحلي وليس المجتمع الدولي. 

يغيب عن بال الجهات اللبنانية المراهِنة على المجتمع الدولي ان الدولة السورية، وإن أُسقطت عضويتها من الجامعة العربية، لا تزال قائمة ويتعامل معها المجتمع الدولي في السر والعلن، مباشرة أو بالواسطة، وشرعية النظام، الممثَّل في الامم المتحدة، غير مرتبطة بموقف الحكومة اللبنانية. محاولات انهاء النزاع السوري لا بد ان تتم بالتنسيق مع دمشق وبالتعاون مع الدول المعنية في اطار تسوية في رعاية دولية. والمثل الابرز في هذا السياق اتفاق وقف اطلاق النار في جنوب غرب سوريا بالتنسيق بين واشنطن وموسكو وبدعم دول اقليمية تتّبع سياسات متضاربة تجاه النزاع السوري، منها الاردن وايران وتركيا.

كما ان للنزوح السوري في لبنان خصوصية تختلف عن النزوح في الاردن وتركيا وسواهما. هذه الخصوصية مرتبطة بالحدود بين لبنان وسوريا، اذ يقتصر وجودها على الخريطة، بينما هي غير قائمة فعلاً منذ اندلاع الحرب في لبنان منتصف السبعينات، من حيث وظيفة الحدود السيادية بين الدول. وفي زمن الوصاية لم تعد ثمة حدود فاصلة بين لبنان وسوريا لا في الجغرافيا فحسب بل في كل تفاصيل الحياة السياسية. من هنا جاء تعامل المجتمع الدولي، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR تحديداً، مع لبنان، ولا سيما في بدايات النزوح، وكأن لا دولة فيه ولا قرار، مثلما كانت الحال في مراحل سابقة.

المنظمات الدولية استقبلت النازحين وسجلتهم وتعاملت معهم وكأنها هي الدولة. والكلام المحذّر آنذاك من تداعيات الفلتان نُعت بالعنصري. وقع الشرخ داخل الحكومة بين من طالب بإقامة مخيمات للنازحين ومن رفض. المخيمات التي أُقيمت في تركيا والاردن كانت في رعاية الدولة وتحت اشرافها، بينما الدولة في لبنان غير قادرة على تنفيذ القوانين ولا طبعاً على ضبط الحدود والتمييز بين النازح والمتنقل بين لبنان وسوريا والمواطن السوري المقيم في لبنان قبل الحرب وبعدها.

هنا نصل الى خصوصية أخرى لا تنطبق على تركيا والاردن وهي التداخل بين النازحين والعمال السوريين الذين استقدموا عائلاتهم الى لبنان لأي سبب كان، اضافة الى تحديد مناطق النزوح، القريب منها من الحدود اللبنانية والبعيد. هذه المسألة أخذت بعض الوقت لتسويتها بعدما تولى الامن العام اللبناني ضبط المعابر الحدودية، لتبرز مسألة تسجيل الولادات في لبنان فلا يظلوا بلا جنسية. هنا أيضاً وقع الشرخ بين من يطالب بتسجيل الولادات (عددهم الآن نحو 100 الف) في السفارة السورية في لبنان أو في ادارة لبنانية، ومن يعترض، وكأن تسجيل الاطفال السوريين سيؤثر في مسار النزاع السوري. مشادة أخرى ساحتها مؤتمرات دولية شارك فيها لبنان، حيث شدّد وزير الخارجية جبران باسيل على العودة الآمنة للنازحين وليس العودة الطوعية، كما تطالب الامم المتحدة. والفارق كبير بين مفاعيل الطرحين.

النتيجة الى الآن ان الازمة ملقاة على عاتق لبنان، والمجتمع الدولي لا يفي بوعوده، مثلما هي العادة منذ القرار 194 الخاص باللاجئين الفلسطينيين والصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة منذ أكثر من 75 عاماً. كما ان لبنان غير قادر على إلزام أي طرف دولي أو عربي تأمين التمويل المطلوب لاغاثة النازحين على مدى سنوات. تركيا تعاملت مع الاتحاد الاوروبي بالتهديد والابتزاز وحصلت على ما تريد، ما ليس في متناول لبنان. فاذا استثنينا الارهاب ومخاطره، فإن آخر ما تكترث به الدول الكبرى عودة النازحين الى سوريا. واذا كان الرهان على المناطق الآمنة في سوريا فهذه مسألة تعني سوريا والدول الكبرى والدول الاقليمية المؤثرة في الحل السياسي وليس لبنان.

سوريا ساحة نزاعات مستمرة، ومن ضحاياها المهجرون داخل البلاد والنازحون خارجها. أزمة النازحين تخص لبنان قبل أي جهة أخرى، ونسبتهم من عدد السكان هي الاعلى في لبنان، ولا يمكن الحدّ من تأثيراتها السلبية ومعاناة النازحين الا بمبادرة تأخذها الدولة حماية لمصالح لبنان. اما الموقف والمزايدات المحلية فلا يمكن توظيفها في أي مكان، وهي لا تعني أياً من الاطراف المؤثرين في النزاع السوري بامتداداته الاقليمية والدولية.